تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
الأموي وأوائل العصر العباسي ، لا سيما أيام هارون الرشيد والمأمون والمعتصم والمتوكّل ، مما له مساس بالفلسفة والمنطق والجغرافية والفلك والتنجيم والطب والنبات والحساب والهندسة وما إلى ذلك . ولا يفوتنا أن ننبّه القارئ إلى أن هذه العلوم الوضعية الحديثة الظهور في العالم العربي كانت غير مرموقة بعين الرضا من الفقهاء والمحدّثين ، عدى ماله اتصال مباشر بالموضوعات الشرعية كالحساب والهندسة ، فكان علماء السنة أصحاب المدرسة القيروانية ينظرون إليها بتأفّف ، وشيء من الاشمئزاز ، ولذا لم نرها تدرس في مساجد القيروان ، وإنما استأثر ( بيت الحكمة ) في رقادة بالعناية بها وبدراستها ونشرها بين الراغبين فيها وهم كثيرون ، ومن هنا نشأ شيء من التنافر والتباعد بين مدينتي القيروان ورقادة . وفي يقيننا أن تلك هي العلّة التي حملت الكثير من أصحاب الطبقات ومؤلفي التراجم من القيروانيين على إهمال أنباء " بيت الحكمة " والتعريف بمن كان يجلس به ويتردّد عليه من نبغاء معاصريهم .

جهاز بيت الحكمة

وقد عرفنا أن الأمير إبراهيم الثاني كان يرسل في كل عام - وأحيانا مرّتين في السنة - سفارة إلى بغداد لتجديد ولائه للخلافة العباسية ، فكان يكلّف هذه البعثة بمهمة أخرى وهي اقتناء نفائس ما يوجد في بغداد مما لا نظير له في أنحاء المغرب ، ولهذا الغرض كان يزوّد رئيس سفارته بالمال الوافر لاستجلاب علماء أخصائيين في سائر العلوم من العراق ومن مصر ، يتفق معهم بما يرضيهم ، وكذا لشراء نسخ الكتب العلمية ، لا سيما مؤلفات الحكمة من فلك وتنجيم لولوع الأمير بها خاصة ، وليس من السهل أن نعرف الآن أسماء الكتب التي اشتمل عليها بيت الحكمة وعددها ، ولا يتيسر تقديرها ولو على سبيل التقريب ، وغاية ما نعلمه أن هذه المكتبة كانت من الأهمية بمكان ، وهي التي ورثها الفاطميون عند استيلائهم على إفريقية الأغلبية - سنة 296 ه / 909 م . وقد أضاف الفاطميون إليها فيما بعد الشيء الكثير مما استنسخوه أو مما