تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 647

مساهمون:

ص٦٤٧
تسلّمه مقاليد الحكم ، كما نعلم أنه كان مولعا - أيما ولوع - بالعلوم الرياضية والحكمة ، وأن اشتغاله بالفلسفة وما يتبعها من الفنون حمله على إنشاء هذه الدار ، وقد وجه عناية كاملة إلى جلب علماء مختصّين من : كتّاب ماهرين ، وأطباء ومهندسين ومغنين من الممالك الشرقية أي من العراق ، والشام ومصر حسبما تراه بعد . ومن حسن الطالع أن أيام إبراهيم الثاني في الحكم امتدت أكثر من ربع القرن ، وإن هذا العصر - أواخر القرن الثالث - هو العصر الذي نضجت فيه العلوم واكتست بالهندام العربي وتلوّنت بصبغته في أرجاء العالم العربي المتمدن ، كما نهضت فيه العلوم بأنواعها وأصنافها إلى الأوج العالي الذي ميزها به الطابع العربي عن غيرها من الحضارات الأخرى ، ومثل هذه المنشآت العلمية لم تكن لتظهر وتزدهر إلا في حاشية الملوك والأمراء ذوي الشأن وتحت حمايتهم وعنايتهم المباشرة ، أو في قصور كبار رجال الدولة ذوي الثراء ليتسنّى لها أن تعيش وتدوم وتقوم بالرسالة التي أنشئت من أجلها ، وذلك في سائر الأصقاع الإسلامية . لهذه الأسباب كلها لم يكن إنشاء بيت الحكمة إلا في دائرة الملك وتحت رعايته وصيانته ، أي في مدينة رقادة ، منزل الأمراء من بني الأغلب وبجوار منازلهم ودواوين دولتهم . ثم إنّا لم نعثر على ذكر " بيت الحكمة " الإفريقي إلا في مدة إبراهيم الأصغر " 6 " ومن جاء بعده من الأمراء ، أما قبل ذلك فلا خبر له على الإطلاق ، وقاعدة الملك كانت وقتئذ في رقادة إلى آخر أيام الأغالبة وصدرا من أيام الفاطميين .
هامش
- ثالثا : إن تصحيح الكتب الذي أشير له في ترجمة أبي محمد المكفوف ( طبقات الزبيدي ص 236 - 237 ) هو من أقوى الأدلّة على وجود حركة علمية فيها تصحيح وضبط للنصوص . ( 6 ) في الحقيقة نحن لا نملك نصوصا قاطعة بتأسيس . " بيت الحكمة " من طرف إبراهيم بن أحمد أو غيره ، ولكن هي القرائن والاستنتاجات ، ينظر تعليقنا السابق ( رقم 5 ) .
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 647 | حسن حسني عبد الوهاب