فأنشده قوله [ من البسيط ] :
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع * إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
فقال الرشيد : قل حاجتك ، وعد عن هذا ، فقال :
بان الشّباب وفاتتني بلذّته * صروف دهر وأيام لها خدع « 1 »
ما كنت أوفي شبابي كنه عزته * حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
فلما بلغ إلى هنا تحرك الرشيد وقال : صدقت واللّه لا يتهنأ أحد بعيش حتى يخطر برداء الشباب ، هيه ، فاندفع يقول [ من البسيط ] :
ركب من النمر عاذوا بابن عمّهم * من هاشم إذ ألح الأزلم الجذع
منوا إليك بقربى منك تعرفها * لهم بها في سنام المجد مطّلع
إنّ المكارم والمعروف أودية * أحلّك اللّه منها حيث تجتمع
نفسي فداؤك والأقوام معلمة * يوم الوغى والمنايا بينها قرع « 2 »
إذا رفعت امرأ فاللّه يرفعه * ومن وضعت من الأقوام متّضع
أيّ امرئ بات من هارون في سخط * فليس بالصّلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر نلنا من ميامنه * أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع « 3 »
حتى أتى على آخرها ، فقال : ويحك ! قل حاجتك .
فقال : يا أمير المؤمنين أخربت الديار ، وأخذت الأموال ، وهتكت الحرم .
فقال : اكتبوا له بكل ما يريد ، وأمر له بثلاثين ألف درهم ، واحتبسه عنده ، وشخص أصحابه بالكتب ، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه بالانصراف ، فأذن له فانصرف ، ثم اتصل بالرشيد أنه يوري عن علي بن أبي طالب عليه السّلام بذكر هارون .
قال الشريف : أخبرني المرزباني قال : حدثني يموت بن المزرّع قال :
هامش
( 1 ) بان الشاب : ابتعد . وصروف الدهر : حدثانه ونوائبه .
( 2 ) المعلمة - بكسر اللام - : التي أعلمت أنفسها في الحرب بعلامة ، وبالفتح أيضا : أي أعلمت بذلك . وبينها : أي بين الأبطال .
( 3 ) بعضها مع الخبر في الأغاني : 13 / 165 ، زهر الآداب 3 / 703 - 704 .