حدثني أبو عثمان الجاحظ قال : كان منصور النمري ينافق الرشيد ويذكر هارون في شعره ويريه أنه من وجوه شيعته ، وباطنه ومراده بذلك أمير المؤمنين عليه السّلام لقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى » وذلك كقوله فيه :
آل الرسول خيار الناس كلهم * وخير آل رسول اللّه هارون
رضيت حكمك لا أبغي به بدلا * لأن حكمك بالتوفيق مقرون
قال : إلى أن وشى به العتابي .
قال الحصري في زهر الآداب : قال الجاحظ : وكان منصور دخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضي وسمع كلامه فانتقل إلى الرفض ، قال : وسبب الوشاية أن النمري مرّ فلقي العتابي مستعجلا ، فقال :
مهيم ، قال : إن امرأتي معسرة وأريد لها رقية ، فقال له : أين أنت عن ذكر هارون ، أما سمعت قولي فيه شعرا :
إن أخلق الأمر نلنا من ميامنه * أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فغاظه ، وأسرّها في نفسه ، فما لبث أن وشى به عند الرشيد وحلف له أنه لا يريده بالمدح ، وأنشده قوله فيه :
آل النبي ومن يحبّهم * يتطامنون مخافة القتل
أمن النصارى واليهود ومن * في أمّة التوحيد في أزل « 1 »
إلا مصالت ينصرونهم * بظبا الصّوارم والقنا الذّبل « 2 »
وأنشده أيضا قوله فيه [ من المنسرح ] :
شاء من الناس راقع هامل * يعللون النفوس بالباطل « 3 »
تقتل ذرية النبي ويرجون * خلود الجنان في الآجل
هامش
( 1 ) الأزل : الشدّة والضيق .
( 2 ) المصالت : جمع مصلت . وهو المقدام الشجاع ، والظبا : جمع ظبة ، وهي حدّ السيف .
والصوارم : السيوف ، واحدها صارم . زهر الآداب 3 / 705 ، أدب الطف : 1 / 211 .
( 3 ) شاء : من شاءه يشاؤه ، أي أراده ، فهو شاء ، والمراد مشيء ، والراتع : الذي يأكل ما شاء في رغد ، والهامل : المتروك سدى ولا يعمل .
وقد ورد هذا البيت في الشعر والشعراء : 2 / 737 ، وتاريخ بغداد 13 / 69 .