وجن جنون الطاغية ، فنادى جلاديه وأمرهم أن ينزلوا به كل عذاب
دون القتل حتى لا يستريح بالموت ! ! .
وتناوشه المجرمون ، يكسرون أنفه ، ويمزقون لحم وجهه ، ويهشمون
عظامه ، وهو صابر محتسب . . ! !
ولما شفى ابن زياد نفسه المظلمة بتعذيبه ، أمرهم أن يخرجوا به إلى
السوق ويضربوا عنقه . .
وطار خبر مصرعه واستشهاده إلى ( مسلم بن عقيل ) فجمع رجاله
وأنصاره ، وسار بهم إلى قصر الإمارة حيث ضربوا حوله حصارا رهيبا .
لماذا لم يضرب ( مسلم ) ضربته من فوره . . ؟ .
لماذا لم يقتحم القصر على ابن زياد ، وقد كان معه ساعتئذ من
الأنصار المسلمين أضعاف أضعاف الحرس الذين يحرسون الطاغية ؟ ؟
لماذا لم يستغل تلك الثورة العارمة التي كانت تشتعل في أنفس الناس
نقمة وغضبا لمقتل ( هانئ بن عروة ) . . ؟ ؟
هنا ، ينجو ابن زياد مرة أخرى من قتل محقق بسبب أناة
( مسلم ) وفضائله ! !
ف ( مسلم ) يعلم أن ( الإمام الحسين ) إنما أرسله ليأخذ له البيعة
ولم يأذن له بقتال . .
وهو حريص على أن يلتزم الحدود التي رسمها له ابن عمه وقائده . . !
وهكذا قضى اليوم كله مكتفيا بالحصار الذي ضربه وأحكمه .
بينما قضى ابن زياد ومن معه في القصر يومهم في نسج الشباك وإعمال
الحيلة ، فأوعز إلى بعض زعماء الكوفة وأشرافها الممالئين ليزيد ، والذين
كانوا معه داخل القصر ، على أن يطلوا على المحاصرين ساعة الغروب ،
ويخبروهم أن جيش الشام في طريقه إلى الكوفة سيصلها غدا أو بعد غد . .
وسيحيل أحياءها قتلى ، ودورها ترابا . . ففعلوا ما أمرهم به ابن زياد ،
أبناء الرسول في كربلاء — صفحة 89
مساهمون: خالد محمد خالد
ص٨٩