يتكلّم على شاكلته . فلا واللّه ، لم يسمع منه كلمة سوء لمستحقّها ، ولا غبر في وجه أحد قط ، ولا جازى مسيئا إلّا بالإحسان ، ولا خاطبه إلا بأحسن لسان ، مع التبسّم في وجهه والاعتذار منه . وهذا واللّه هو الخلق العظيم الذي ورثه من جدّه سيد المرسلين ، وقد أحسن وأجاد السيد حيدر الشاعر الحلّي حيث يقول في مدح سيدنا الأستاذ :
كذا فلتكن عترة المرسلين * وإلّا فما الفخر يا فاخر « 1 »
وكان إذا نظر في وجه رجل عرف واقعه ، وله في تفرّساته حكايات تجري مجرى الكرامات . كأنّ اللّه سبحانه قد أعطاه عقلا وفهما وفراسة لم يعطها أحدا من أهل عصره . ولو أردت ذكر تفرّساته وتوسّماته ، كان ذلك كتابا مستقلّا ضخما .
وأمّا سعة باله وحافظته ، فشئ يحيّر العقول . كان لا ينسى من رآه مرّة واحدة وغاب عنه عشرين سنة . فإذا دخل عليه عرفه بمجرّد دخوله ، بل رأيت من دخل عليه ليلا ، وهو شاب ليس في عارضيه نبات وغاب عنه أربع عشرة سنة ، فدخل عليه وهو ذو لحية كثيفة فبمجرّد أن سلّم عليه قال له : عليكم السلام جناب شيخ حسين ، يشترط في المهاجر إلى العلم في النجف أن لا يزور سامراء أربع عشرة سنة ، جنابك جئت إلى هنا لمّا جئت من جبل عامل ، والآن أظنّك تريد الرواح إلى جبل عامل .
فقال : نعم يا سيدي أريد الرواح إلى البلاد إن شاء اللّه بتوجيهاتكم .
فلمّا خرجنا قال لي الشيخ حسين المذكور : هذا واللّه عجب العجاب . أنا كنت قد دخلت عليه قبل أربع عشرة سنة ، ولا شعرة في
هامش
( 1 ) ديوان السيد حيدر 1 / 43 ، وقد وردت كلمة « الأنبياء » بدلا من المرسلين .