خطة الشهادة أو خطة المخزن ! » . يعني : موته أحسن من ذلك ، ويقول أيضا : « إن تولي الخطط في هذه الأزمنة هو بمجرده جرحة في دين متوليه ! » ، ولا يقبل عذرا في ذلك .
ويحض على تجنب الظلمة وأهل الدنيا ، ويعيب على الطالب متابعتهم والميل إليهم ، ويبالغ في التحذير من ذلك . ويقول : « إنهم يصيبونك في أعز ما عندك - وهو : دينك - بأهون ما عندهم - وهو : دنياهم ! » . ويقرر أنهم لا يهادون أحدا لدينه ولا لعلمه ؛ وإنما يهادون لأغراضهم ، ولا نجاة منهم إلا بحسم مادة الطمع .
ويذكر قول الشيخ زروق في التحذير من أهل الدنيا : « إنهم لا يريدونك إلا لتكميل دنياهم ، وإنهم إن فعلوا مع أحد معروفا ؛ لا يريدون به إلا حوائجهم ، وإن من تجنبهم نجا ، ولا يدخل عليه ضرر بمجانبتهم ، وضرر مخالطتهم أعظم من ضرر عقوبتهم في المجانبة » .
وكان يحض على الحلال ، ويحذر من الوسوسة فيه ، ويعيب قول من قال : « إنه انقطع » ، ويستدل على بقائه بحديث : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة » . ويقرر أن أسواق المسلمين محمولة على الحلال إلا بقرينة تؤذن بشبهة أو تحريم . فإذا ظهرت ؛ عمل عليها ، ويكتفي بهذا القدر تحرزا من الوسوسة المفضية للتضييق .
ويحض - أيضا - على قيام الليل واتباع السنة ، وسيرة السلف ، وينكر البدع ، ويقول : « من أظهر بدعة أخمد سنة ، وما شاعت بدعة إلا شاع شؤمها في الخلائق » ، ويتعرض في مجلس درسه لما ظهر منها في الوقت ، وينكر ذلك بلسانه جهرا . من ذلك : ما حدث من الدفن بجامع الأشياخ الذي قرب جرواوة من عدوة فاس الأندلس ، وما حدث من الدفن بجامع الأشراف الذي هو محل ضريح [ 341 ] مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - فكان يصرح بإنكار ذلك ، ويشهد الحاضرين أنه صرح بتحريمه وتبرأ منه .
وضرب الطبالون بصحن جامع الشرفاء مرة - وهو في مجلس درسه - فرحا بشيء مما أتى به لتزيين الجامع المذكور ؛ فتغير لونه وقال : « لعن اللّه الشيطان ؛ فقد جاء بخيله ورجله ! » ، وكان يوما على المنبر في خطبة الجمعة ؛ فدخل بعض الأدارسة يتخطى رقاب الناس ؛ فقطع الخطبة وجعل يقول :
« التخطي حرام ! » . ويكررها . وخرج يوما من المسجد بعد فراغه من التدريس ؛ فصادف سابع المولد بالمكتب الذي هناك ، والمصابيح موقدة نهارا ، والناس يزدحمون ليسمعوا المواليد من الولدان بأصوات حسان . فوقف عند ذلك وجعل يقول : « هذا الفعل حرام ! » . ويكررها بأعلى صوته ، وبقي واقفا حتى تفرق الناس ، وطفئت المصابيح .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 384
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٨٤