وكانت له - رضي اللّه عنه - مواخاة عظيمة في اللّه مع الشيخ سيدي أحمد ابن عبد اللّه معن الأندلسي . ويقال : إن سيدي أحمد هذا أخذ عنه ؛ لأنه كان يعظمه غاية التعظيم ، ويجلس بين يديه كجلوس المتعلم بين يدي المعلم ، خاضعا متأدبا ، ويوده المودة العظيمة ، ويؤثره على نفسه ، ولا يؤاكله ، ولا يرفع الصوت بحضرته . قال في " التقاط الدرر " : « ولم نسمع بعد الصحابة والتابعين من تحابا في اللّه مثلهما » . ه .
وكان - رضي اللّه عنه - على ما منحه اللّه من العلوم اللدنية والإشارات الوهبية يتعاطى قراءة العلوم ، ويعتني بدقائق الفهوم ، وكانت له دراية حسنة في علم الفقه ، يخالط خليلا وتوضيحه ، و " المدونة " . ودرّس العلم بالمخفية ، وأخذ عنه بها الفقيه العالم سيدي إدريس بن علال القادري الحسني ، وشقيقه سيدي محمد ( بالفتح ) ، والفقيه العالم المؤرخ سيدي محمد العربي بن الطيب القادري ، وشقيقه العلامة المشارك المؤلف لعدة كتب سيدي عبد السلام بن الطيب القادري ؛ قرأ عليه جميعهم مختصر خليل من أول النكاح إلى الإجارة .
وكان من المتجردين عن الأسباب ، الواقفين بالباب ، ممن أوتي في التوكل قوة ، وصار فيه علما وقدوة ، وقد صرح مرارا بأن أمرين كفيهما لا يهمانه أبدا ؛ وهما : هم الرزق وخوف الخلق .
وكان - رضي اللّه عنه - من جلة الزمان ، وأكابر الأعيان ، عارفا كاملا ، متمكنا واصلا ، ذاكرا عابدا ، متنسكا زاهدا ، له الكرامات الكثيرة ، والأفاعيل الكبيرة ، والتصريف العام ، والكشف القوي التام ، وكراماته أشهر من أن تذكر [ 336 ] ، وأوضح من أن تشهر .
منها : أنه كان إذا تنكر لأحد ؛ ظهرت عليه أمارات الخسران مكانه . وإذا أضر به أحد ؛ أهلكه اللّه لحينه ، وكان يقول : « إني إذا آذاني أحد ففاضت عيناي ؛ أهلكه اللّه لا محالة » . ولما سمع بهذا الكلام سيدي أحمد ابن عبد اللّه قال : « وأنا إذا آذاني أحد وضحكت ؛ أخذه اللّه » .
وقد شهد له الشيخ سيدي أحمد ابن عبد اللّه المذكور - رضي اللّه عنه - بالخصوصية الكاملة ، والبصيرة التامة . وكان العالم الصوفي سيدي المهدي الفاسي إذا كتب اسمه ؛ يعبر عنه بالعارف الكامل الراسخ . وأخبر هو عن نفسه بما يؤذن بعظيم المعرفة وحال الجذب .
وزهده وورعه ، وكمال اتباعه للسنة المحمدية ، وكرم أخلاقه ؛ أدل دليل على ذلك . وقد تقدم لنا أن بعض أكابر أولياء طرابلس أثنى عليه وشهد له بالخصوصية الكبرى ، وذكر مقامه الخاص به ، وقال : « إن مقامه عيسوي ؛ حكيم ؛ يضع الأشياء مواضعها » ، ثم قال فيه وفي سيدي أحمد ابن عبد اللّه : « إنه ليس في المغرب مثلهما » . وفي رسائل العارف باللّه مولاي العربي الدرقاوي وصفه بقطب الدائرة ، وفي فهرسة تلميذه أبي العباس ابن عجيبة وصفه بالقطب الجامع . وكذا وصفه صاحب " جواهر المعاني " بالقطبانية .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 379
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٧٩