ولم يزل على أهبة عظيمة في العبادة ، وتشمير كبير فيها ، والناس يقصدونه في بعض المهمات ، ويتعاهدونه بالزيارة إلى أن تمكنت المعرفة بينه وبين الشيخ سيدي أحمد ابن عبد اللّه معن الأندلسي ؛ فزوجه بنت الصالح البركة أبي مروان عبد المالك بن محمد الغمري ، ونقله إلى المخفية ، وأسكنه بها بدار بين داره وزاويته ، وذلك في ذي القعدة سنة تسعين وألف . وأجرى عليه ما يقوم به وبسائر ما يحتاج إليه ؛ فاشتهر - حينئذ - أمره ، وشاع بين الناس ذكره ، وتزاحموا على زيارته ، وتلمذ له من تلمذ ، وصار له أصحاب ، وعرفه الولاة ورؤساء الدولة المخزنية ، وتقربوا إليه بالهدايا والمواصلات ، واستحرموا داره .
وكان - رضي اللّه عنه - قد لقي عددا كثيرا من المشايخ العظام بالمشرق والمغرب وبلاد السودان ، وانتفع بهم نفعا تاما ظاهرا لا يخفى ؛ منهم : الشيخ أبو العباس أحمد ؛ المدعو : بالصادق - لقبا له - ابن الشيخ أبي محمد أويس بن عبد القادر التاركي ( بالقاف المعقودة ) ، اللمتوني نسبا ، المالكي مذهبا ، السهروردي طريقة . الذي كان قاطنا بمدينة آدكز من طرف بلاد السودان ، والشيخ أبو النجدة فارس السناسن ( بالنون بعد السين الأولى والثانية ) ، الحنفي المذهب . والسناسن : اسم طعام لهم كان هذا الشيخ يطعمه الواردين عليه ولا يطعمهم غيره ؛ فأضيف إليه . وهو القائل : « إن طرق الصوفية الموجودة في هذا الزمان محصورة في أربع لا خامس لها ، كالمذاهب الأربعة ؛ وهي :
الغزالية ، والقادرية ، والرفاعية ، والشاذلية » ، ومنه تعلم صاحب الترجمة اسم اللّه العظيم الأعظم .
والشيخ العالم العارف المتمكن : سيدي دفع اللّه بن الشيخ سيدي محمد الغزالي الهوازني النسب ، المالكي المذهب ؛ وهو : عمدته ، وعلى يده فتح له ، وإليه ينتسب [ 335 ] . وهو : من مدينة أربجي ، وأخذه عن والده الشيخ محمد عن عمه الشيخ عبد اللّه عن الشيخ حبيب اللّه العجمي بالسند المتصل إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني . فطريقته قادرية .
والشيخ العالم العارف ، المجذوب الشهير ، صاحب وقته ، وأعجوبة دهره ؛ أبو محمد سيدي عبد اللّه بن عبد الجليل بن عمر البرناوي الحميري . القاطن ببرنو من بلاد السودان ، وكثيرا ما كان صاحب الترجمة يذكره ويحدث عن جلالة قدره وعظم أمره ، وخرج لزيارته من فاس بعد صلاة العشاء من ليلة الاثنين سابع أو ثامن عشر شعبان سنة اثنين وتسعين وألف ؛ فوجده قد مات ، ثم رحل لفاس أواسط ربيع الأول سنة أربع وتسعين وألف .
وكان قد أدرك بها الشيخ سيدي قاسما الخصاصي ، ورآه ؛ إلا أنه لا يحفظ له أخذ عنه . بل مقتضى عموم قوله فيما نقل عنه : « لا منة لأحد من صالحي المغرب علي إلا الشيخ ابن عباد - رضي اللّه عنه - فإنه قضى لي حاجة » . أنه : لم يأخذ عنه ولا عن غيره من أهل المغرب .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 378
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٧٨