تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وفي " الدر النفيس " : « إنه كان الواسطة بينه وبين مولانا إدريس باني فاس رضي اللّه عنه ، يأتيه بالأمر والنهي منه » . ه . وكان - رضي اللّه عنه - آية عظمى في الكشف وخرق العادة ، فيتعجب الناس من حاله كثيرا ، فيقول : « إنما أنا ريشة من جناح الشيخ ! » ، وكان أجهر العينين ، ضعيف البصر بالنهار ، فقال يوما بعض الناس لشيخه أبي المحاسن : « يا سيدي ؛ إنه قد ورد طبيب ، فلعله يداوي عيني سيدي إبراهيم ! » ، فقال له الشيخ : « إنه يبصر ملكوت السماوات والأرض ، ويخبر بأخبار ذلك كله ، ويأتي بأخبار ذلك كله ، ويأتي بأخبار السماوات فضلا عن الأرض ! ! ! » . . . وخرج مرة في ركب مع شيخه لزيارة ؛ فسرق لهم ليلا ثوب ولم يعرفوا للسارق أثرا ، فجعل الشيخ يوبخه ويقول له : « أتكون هاهنا ويأتي السارق ولا تعرف مكانه ؟ ! » . فقام ومشى مستقيما إلى موضع خفي ؛ فوجد فيه السارق يغسل الثوب ؛ فأخذه منه وقال له : « أربابه يحتاجونه بلا غسل ! » . واشتهر - رضي اللّه عنه - بقضاء الحوائج عند اللّه تعالى ، فكان الناس يتعلقون به كثيرا لذلك ، وكان شيخه المذكور إذا أتاه أحد لحاجة ربما دله عليه . وكان إذا طلب عنده أحد حاجة ؛ نظر ؛ فإن كانت لا تقضى ؛ صرفه عنه ، وإن رآها تقضى ؛ قال له : « اعط كيت وكيت » ، فيعطيه ذلك ؛ فتقضى حاجته بإذن اللّه . وكان أهل دار الشيخ إذا طلبوا عنده حاجة ؛ فعل معهم ما يفعل مع غيرهم . ومناقبه - رضي اللّه عنه - لا تحصى كثرة ، وقد ذكر منها في " ابتهاج القلوب " جملة وافرة . ولما دنت وفاته ؛ قال للفقراء : « هذا آخر يوم بقي لي معكم ، فإني أرى الروح متعلقة كالمصباح ؛ وكأنها خرجت » . ولما كانت الليلة التي مات بآخرها ؛ جلس في فراشه عند النوم ، ونظر [ 326 ] في يديه وجلده ، وقال : « ما بقي في هذه الجثة إلا حظ التراب » . وكان قد أصابته حكة ؛ فجعل لها دواء ، وقصد حمام القلعة من آخر الليل ليغتسل ؛ فلقيه برأس العقبة الزرقاء لصوص ، فاجتذبوا كساءه ، فاستنثره منهم ، فضربه أحدهم بسيفه ، فقطع أحد ودجيه ، يقال : إنه الأيمن . وسقط بإزاء حائط هنالك . ولما عرفه اللصوص ؛ تركوه بحوائجه ؛ لم يأخذوا له شيئا ، وذهبوا . فمر به إمام المسجد الذي هناك لصلاة الصبح ؛ وهو : السيد أبو القاسم المشاط . فسمعه يقول : « أنت قضيت وأنا رضيت ! » ، ثم حمل لدار شيخه ميتا ، فتألم الشيخ عليه كثيرا وقال : « ما أشد انقطاع ظهري فيك يا إبراهيم يا ولدي ! » . ودخل عليه وهو ميت ، فبقي معه في البيت مدة والناس يسمعون كلامهما ، ولم يدخل عليهما أحد . ثم رفع الشيخ الحجاب ، فخرج وهو يضحك ، ولما كفن ؛ أمر بحل الكفن ؛ فقبله بين عينيه وقال : « رحمك اللّه ؛ هذا بعد صحبة عشرين عاما » .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 367 | محمد بن جعفر الكتاني / عبدالله كامل بن محمدطيب