ومن ورعه : أن السلطان - نصره اللّه - بعث له بخمسين دينارا لما ذكر له من صلاحه وفضله ؛ فأبى أن يقبضها ، وطالما حاوله الذي جاءه بها أن يمسها بيده ؛ فما فعل .
وكان محبا لأخبار الصالحين ، لهجا بذكر كراماتهم ، معتنيا بجمع محاسنهم ، غواصا على دقائق علم التصوف ، مبينا لما [ 316 ] أشكل منه .
أخذ علم الطريقة عن الشيخ سيدي محمد ابن عبد اللّه الأندلسي ، وكان مفرطا في إطرائه ، شديد المحبة له ، ملازما لزاويته ، مواظبا على قراءة الأحزاب بها .
وبعد وفاته ؛ أخذ عن تلميذه سيدي قاسم الخصاصي ، وبعده عن سيدي أحمد ابن عبد اللّه معن إلى أن مات ؛ فزخر بأسرارهم بحره ، وظهر بآفاقهم بدره ، فكان الإمام الكبير الشان ، الجامع بين العلم والعرفان ، متضلعا بالشريعة والحقيقة ، سالكا بهما على مثلي الطريقة ، واسع العارضة في الحفظ والتحصيل ، لا يجاريه في التحقيق محقق ولا نبيل .
وكان متجردا - دائما - لتدريس العلم ، والتأليف والتقييد ، والإفادة والاستفادة ، وألف تآليف كثيرة مشهورة ؛ منها : شروحه الثلاثة على " دلائل الخيرات " : كبير وصغير ووسط ، و " ممتع الأسماع في أخبار الجزولي والتباع ، وما لهما من الأتباع " ، و " الإلماع ، ببعض من لم يذكر في ممتع الأسماع " ، و " تحفة أهل الصديقية ؛ بأسانيد الطائفة الجزولية والزروقية " ، و " الجواهر الصفية من المحاسن اليوسفية " ، و " روضة المحاسن الزهية ، بمآثر الشيخ أبي المحاسن البهية " ، و " داعي الطرب ، باختصار أنساب العرب " ، و " الرصاصة المطفية ، في جوف من رد على أهل المخفية " ؛ رد به على بعض طلبة فاس لما حصل له منه إنكار واعتراض على حال سيدي قاسم الخصاصي ، و " العقد المنضد ، من جواهر مفاخر سيدنا ومولانا محمد " ، و " سمط الجوهر الفاخر ، من مفاخر النبي الأول والآخر " .
و " كفاية المحتاج ، من خبر صاحب التاج واللواء والمعراج " ، و " شفاء الغلة وانقشاع السحابة ، عن حكم الشكر أول الملة وتنزيه الصحابة " ، وتأليف في وقف القرآن ؛ سماه : " الدرة الغراء ، في وقف القراء " ، وتأليفان في مناسك الحج ؛ سمى أحدهما : " معونة الناسك ، بالضروري في المناسك " ، والآخر :
" تحفة الناسك ، بالمهم من المناسك " ، و " اللمعة الخطيرة ، في مسألة خلق أفعال العباد الشهيرة " . وخطه حسن وفي غاية الإتقان ؛ إذا كتب شيئا ؛ لم يغادر به ما يصلحه من بعده .
وأخذ عنه جماعة من العلماء الجهابذة ؛ كسيدي الطيب بن محمد بن عبد القادر الفاسي ، وسيدي محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي ، وسيدي محمد بن محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن يوسف الفاسي . . . وغيرهم .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 356
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٥٦