تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وكان - رحمه اللّه - لا يعرف الفقر ولا ما هو ؛ فقيض اللّه له الشيخ الولي الكامل ، العارف الواصل ، قطب زمانه في الأحوال ، وممد فحول الرجال ؛ أبا محمد وأبا زيد سيدي عبد الرحمن ابن ولي اللّه أبي السرور عيّاد بن يعقوب بن سلامة بن خشان الصنهاجي ثم الفرجي ، المعروف بالمجذوب ؛ دفين خارج باب عيسى من مكناسة الزيتون . فكان يطلبه ويحوم عليه ، ويراقبه . فكان يأتيه للمكتب ، ويذكر بعض ما يؤول إليه أمره من الخير ، ويخبر عن انتقاله إلى حضرة فاس ، وما يكون له هنالك ، وقال لهم : « سبقت إليه قبل أن يأتيه غيري ! » . وجاءه يوما بالمكتب ، ومسح على رأسه ، وقال : « علمك اللّه علم الظاهر والباطن » ، ثلاثا . ثم التفت للمعلم ، وقال : « لا بد نوّارة هذا تفتح ، وإذا أحياك اللّه ترى ! » ، وكان قبل ذلك يأتي الحومة ويقول : « بدار الفاسي نوارة لا بد أن تفتح » . فلما كان في أوان البلوغ وهو ما زال في المكتب ؛ أتاه الحال منه ، وأشرق باطنه بنور التوحيد ، واضمحلال ما سوى اللّه تعالى ، وانخرط في سلك الشيخ ؛ فصحبه ولزمه ، وسلب له الإرادة ، وانتسب إليه ، وعول في أموره كلها عليه ، وبقي مع ذلك على قراءته ؛ فقرأ على أهل بلده ما كتب له ، وجود القرآن على بلديّه الشيخ الصالح الفقيه الأستاذ أبي زيد عبد الرحمن بن محمد الخباز القصري ، وقرأ عليه غير ذلك من أنواع العلوم ؛ من فقه ونحو . . وغيرهما . ثم ارتحل مع والده إلى فاس للقراءة على مشايخها قبل سنة ستين ؛ فأدرك بها جماعة من المشايخ الأكابر ؛ منهم : اليسّيتني ، وأبو محمد عبد الوهاب الزقاق ، وأبو زيد عبد الرحمن ابن إبراهيم الدكالي . . . وغيرهم من المشايخ . فأخذ عنهم . ولم تطل إقامته بفاس ، وعاد إلى القصر سنة ستين [ 307 ] . ثم عاد إلى فاس سنة اثنتين وستين ؛ فتلافى الأخذ عمن بقي بها من المشايخ ، وكان بها جماعة ؛ منهم : خرّوف التونسي ، وابن جلال التلمساني ، وأبو العباس المنجور . . . وغيرهم ، فأخذ عنهم . ولازم ابن جلّال كثيرا ، وقرأ عليه التفسير وغيره ، وأخذ - أيضا - عن أبي عبد اللّه محمد بن أحمد ابن مجبر المساري ، وسيدي علي بن مبارك التارختي المصمودي السوسي . وعاد إلى القصر بعلم غزير ، وعقد مجالس لأنواع العلوم ، تنافس الناس في حضورها ، والإكباب عليها ، وانتفع به فيها الخاص والعام ، وظهرت بركته على أهل القصر وغيرهم ، وتخرج به كثير من أهل الطلب . فاستقل في ذلك القطر برياسة العلم والدين ، منفردا في ذلك ، إماما متبوعا مسموعا ، وهو في ذلك ملازم لشيخه ، وخادم له ، وكان كثيرا ما يجيئه طالب الإرادة ؛ فيرده إلى الشيخ ، إلى أن توفي - رحمة اللّه عليه - وكانت مدة صحبته إياه منذ سلب له الإرادة ، تزيد على عشرين سنة ، وشيخه في جميع ذلك ينوه باسمه ، ويشيد يذكره ويعرف بحقه ، ويفتخر به ؛ فكان يقول : « عندي ابن الفاسي ؛ نلقى به الغرب » ، وتارة يقول : « نلقى به الشرق والغرب » .