وكان - رضي اللّه عنه - يقول : « لا أحتاج في قراءة البخاري ومسلم و " الموطأ " إلى مطالعة شيء سوى " المشارق " لعياض ، وأماما يتعلق بمعنى الحديث ؛ فلا أحتاج فيه لأحد ! » .
وكان ملازما بفاس لتدريس التفسير والصحيح ، وكان قارئه أولا : سيدي محمد ابن عبد اللّه معن ، وبعده حفيد أخيه : سيدي عبد القادر الفاسي . وكانت العلوم كلها طوع يده ، يكشف المعضلات ويوضح المشكلات .
وله تآليف حسنة مفيدة جدا : كحاشية البخاري ، وحاشية " الجلالين " ، وحاشيتي شرح " الصغرى " للسنوسي ، وحاشية " المختصر " ، وحاشية " دلائل الخيرات " ، وحاشية " الحزب الكبير " للشاذلي ، و " تفسير الفاتحة " على طريق الإشارة . وله أجوبة وتقاييد كثيرة في أنواع العلوم .
وأدرك - رضي اللّه عنه - في صغره الشيخ المجذوب وأجلسه على فخذه ، وأعطاه قطعة لحم ، وأخذ - أيضا - عن الشيخ سيدي رضوان الجنوي ، ولما توفي أخوه وشيخه أبو المحاسن ؛ كان هو الوارث له ، والمحيط بأسراره ؛ كما ذكر ذلك غير واحد ، وصرح به الشيخ سيدي محمد ابن عبد اللّه معن لأصحابه مرارا ، وتأهل من حينئذ للمشيخة ، وانتصب لها داعيا إلى اللّه تعالى ، وانتفع به ناس كثيرون ، وظهر ظهورا عظيما ، ولم يذكر معه أحد لا في علم الشريعة [ 304 ] ولا في الطريقة ، وظهرت له الخوارق العظيمة ، والكرامات الجسيمة . . .
وفي صبيحة تسعة وعشرين من رمضان سنة خمس عشرة وألف ؛ ابتدئ قراءة الأحزاب المرتبة عنده مساء وصباحا ، بالمسجد المعلق حول داره ؛ التي بأول حومة القلقليين من فاس القرويين .
وفي سنة سبع وعشرين وألف ؛ بنى زاويته التي بإزاء داره ، وانتقل إليها بأصحابه ، وهي : التي تصدى للتدريس بها حفيد أخيه سيدي عبد القادر الفاسي وأقبر بها أيضا ، وزيد له فيها على عهد السلطان مولانا إسماعيل ، وحكي عن جماعة ممن كانوا يحضرون الحزب بزاويته أنهم : كانوا يقرءون الحزب بحضرته ؛ فيرون فراشا أخضر ينشر فوقهم في الفضاء وعليه الخضر عليه السلام .
وفي " الصفوة " : « إنه كان يوما يتكلم على الصالحين ؛ فقام رجل وقال له : يا سيدي ؛ وأين هم الآن ؟ » . فقال له : « يا ولدي ؛ ها أنا ذا منهم ، قال اللّه تعالى :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ .
[ الأعراف : 197 ] . . . قال : وكان يقول : لو كشف بعض أسرارنا للخلق ؛ لم تسعنا هذه النواحي ، ولضاقت الأرض بما رحبت على الواردين ! . . . وكان يقول : الفقير كالمسك ؛ كلما سترته فاحت رائحته . وكان يقول : إني لأرى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في النوم واليقظة . وكان يقول كقول شيخه : ما بيننا وبين تونس خال » . يعني : من شيخ مثله .