لا تتناهى ولا تحد ، والهمة الخافضة الرافعة ، والقوة الجالبة الدافعة . المربي النفاع ، الكريم الأخلاق والطباع ، الفتى الذي ما مثله فتى ، والرجل الذي ما مثله في وقته أتى ، مصباح الزمان ، وفريد العصر والأوان ، صدر الصدور ، الشهير البركة والحكمة والنور ، شيخ الطريقة ، وفارس الحقيقة ، العلم الأوحد ، الحجة القدوة الأعمد ، العارف باللّه تعالى ؛ أبو العباس سيدي أحمد ابن عبد اللّه معن ، الأندلسي المحتد ، الفاسي الآباء والمولد ، القاطن بالمخفية من عدوة فاس الأندلس ، وبها ولد ونشأ .
كان - رحمه اللّه - من أعيان الطريقة ، وأكابر أهل الحقيقة ، على قدم السلف الصالح ، والمنهج القويم الواضح ، آية في السخاء والجود ، وكرم الأخلاق [ 288 ] ، والزهد والعبادة ، والتعطف على الضعفاء والمساكين ، ومحبة آل البيت والعلماء والصلحاء . وكان على قدم التجريد ، صارما في الحق ، نصوحا لعباد اللّه ، لا يداهن أحدا ، وحصل له من الحظوة عند أرباب الدولة وسماع الكلمة ما لم يكن لغيره .
وكان علماء الوقت يقصدون زيارته ، ويسلمون له ظاهرا وباطنا ، ويجلسون بين يديه كجلوس المتعلم بين يدي معلمه . وانتفع على يديه خلق كثير ، وظهر له تصرف عظيم ، ومهابة كبرى ، فلا تراه إلا رأيت أسدا من أسد اللّه ، قد عوفي من خوف الخلق ، وكفي أمر همّ الرزق ، وأوتي من علم القلوب ما يشهد له بالذوق الواضح ، والحال الراجح ؛ فلا تخوض معه في فن من فنونه إلا أمتعك فيه ، وله من قوة اليقين والدين ما لاحت ثمراته على كل من عاشره أو أوى إلى زاويته .
وله - رضي اللّه عنه - كلام في الطريق نفيس ، قال في " الصفوة " : « ولم يكن يلقن الأوراد ، ولا يسلم لمن يلقنها ، ويأنف أن يسمى شيخا ، ويرى أن ما يفعله أهل الوقت من التساهل في ذلك باعتبار الملقّن والملقّن أمر بعيد عن قانون الشرع ، ثم هو - مع خروجه عن السنة - لا يجدي ولا يفيد ، وإنما غرض المتصدين له ترويج باطلهم ، وتكثير سوادهم وأشياعهم ، ووقع بينه وبين الشيخ العارف باللّه سيدي محمد بن سعيد الطرابلسي في ذلك كلام طويل أضربنا عنه روما للاختصار ، وإنما كان حال من أتاه يطلب منه المشيخة : أن يأمره بملازمة الأحزاب والوظائف مع الإخوان بالزاوية ، لا يزيد له على ذلك شيئا » . ه .
والزاوية التي كان اجتماعه بها مع أصحابه : هي زاوية أبيه التي على ضفة وادي الزيتون ، بأقصى حومة المخفية ، عدوة فاس الأندلس ، ثم جدد بناءها هو - رضي اللّه عنه - فصارت لذلك تنسب إليه ، وكان قد سخر اللّه له أسباب المال ، واستفاد منه كثيرا من عمله بالازدراع والغرس والنحل - بالحاء المهملة - فما برح عن طريقة السلف بسببه قدما واحدا ، بل تسلط عليه بالإنفاق في جانب اللّه ؛ فلم يبق منه إلا ما به تقوم الأسباب بمقتضى الشرع ، ولم يكن فيه موضع ترغيب إلا سلكه .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 326
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٢٦