تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
ومما انفرد به في زمانه : أنه كان لا يدخل بذمته شيء من متاع الغير قل أو جل ، على أي وجه كان ، وإن قصده أحد بهدية وغلبه الحياء عن ردها له ؛ كافأه عليها بأضعاف مضاعفة ، وصرفها لغيره في الحين . وكان شديد الاتباع للسنة في نفسه وأهله ، ولا يرتكب في داره أمرا لم ترد به ، بل قطع عنهم جميع العوائد ، والتكلفات والزوائد ، في أعراسهم ولباسهم وسائر [ 289 ] أيامهم ، كما كان عليه والده رحمه اللّه ، وأمره بذلك واضح ، وتفصيله يطول . وأخذ عن والده تبركا وتأدبا واستفادة ، ثم بعد وفاته عن الشيخ سيدي قاسم الخصاصي وسلب له الإرادة ، ولازمه من سنة أربع وستين وألف إلى موته سنة ثلاث وثمانين ، وخدمه خدمة لم يسمع بمثلها ، وهو عمدته في الطريق ، وإليه ينتسب على التحقيق . وكان شيخه سيدي قاسم يشهد بخصوصيته ، ويشير إلى أنه الوارث له ، وقال له يوما : « أنا عبدك » . وكان يوما آخر غائبا في حاله ؛ فجعل يقول له : « تعال خذ متاعك عني » ، يشير إلى وراثته لحاله ، وأنه هو الذي يأخذ ما عنده . وقال يوما : « إن هذا الذي بهذه الزاوية لا يوجد في بلاد » ، كأنه يعنيه ، وأشار إلى أنه المقصود من الناس المجتمعين عليه ، وقال : « لولا سيدي أحمد ؛ لم يجد أحد إلى سبيلا » . وبعد وفاة شيخه المذكور ؛ صحب العارف باللّه سيدي أحمد بن محمد اليمني ، وكان بينهما قرب أكيد ، واتصال قوي شديد ، وكان صاحب الترجمة يصله بأنواع المواصلات ، ويواسيه أعظم المواساة . وذكر أبو العباس ابن عجيبة في فهرسته أن صاحب الترجمة أخذ عنه ؛ لكون شيخه سيدي قاسم تركه لم يرشد ، وقال له : « يأتيك من يكملك » ، فكمل به صاحب الترجمة ، وأنفق عليه نفقة كبيرة في حكاية طويلة . وقال في " التقاط الدرر " : « لم يدر المحققون الخادم منهما من المخدوم ، ولا الشيخ من التلميذ ، وكل من أقدم على ذلك فبمجرد التخمين والظن » . ه . وكانت له - رضي اللّه عنه - فراسة تامة وكشف عظيم ، وظهرت على يديه كرامات ، وأخبر بمغيبات يطول شرحها ، ويؤدي إلى الملل تتبعها ، وأوتي مقام الخلافة الباطنية وخطة التصريف ؛ فكان يجلب ويدفع ، ويضر وينفع ، وينقص ويوفي ، ويعزل ويولي على حسب ما صرفه فيه مولاه ، ومكنه منه وأولاه ، وقد صرح الشيخ سيدي أحمد اليمني بأنه - أعني : صاحب الترجمة - أعظم من شيخه ووالده ، قد فاقهما وزاد عليهما . قال في " الإلماع " : « ولم يكن رأى واحدا منهما في عالم الحس ، وإنما قال ذلك عما شهده ببصيرته وكشفه ونور ربه » . ه . قال في " المقصد " : « وناهيك بها من مثل هذا العارف شهادة ، وبهذا الوصف العظيم والقدر الجسيم كرامة وسعادة » . ه .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 327 | محمد بن جعفر الكتاني / عبدالله كامل بن محمدطيب