وكان يضرب به وبداره المثل في اتباع السنة ، وإحياء الدين ، لا يمشي إلا وحده أو مع واحد فقط ، ولا يتخذ في المسجد موضعا معلوما ، ويسرع في مشيه ، ويدمن غسل الجمعة . . . إلى غير ذلك من أحواله الموافقة للسنة . فكان جديرا لأجل ذلك أن يلقب بمحيي الدين . رضي اللّه عنه .
وكان مواظبا على الأوراد والذكر والتلاوة ولو في المرض ، وينهى عن أسماء اللّه لتحصيل الدنيا ، ويقول : « إن ذلك يعود على صاحبه بالخسارة » ، ويحض على ذكر اللّه ، ويعيّن : لا إله إلا اللّه ، والصلاة على النبي ، والاستغفار ، ويرجح في الاستغفار لطلب التوبة من اللّه : « رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم » ، على : « استغفر اللّه وأتوب إليه » . وكان يقول : « ينبغي الإكثار من الاستغفار ، لا سيما في هذا الزمان » ، يعني : لكثرة الخطايا والفتن . ويحض على الورد من الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ كالخمسمائة [ 286 ] ، وعلى الإكثار من : لا إله إلا اللّه . بغير عدد ؛ بل قائما وقاعدا وراقدا .
وكان ينهى كثيرا - وهو معظم نصيحته ووصيته - عن مخالطة الخلق عموما ، ومتفقرة الزمان خصوصا ؛ لقلة الصادقين الناصحين ، الدالين على اللّه بأقوالهم وأفعالهم ، ويكثر من قوله : « الخير بالخلطة ، والشر بالخلطة » ، وكذا كان ينهى عن مخالطة أبناء الدنيا والرؤساء . فتكلم يوما مع بعض الناس في ذلك ، فكأنه فهم من ذلك الإنسان أنه يقول : فما لك أنت تجالسهم وتتكلم معهم إذا أتوك ؟ .
فقال له : « هذا الذي ترى ويتكلم معك كالحجر الأصم ؛ دردبه كيف شئت ؛ يعمل في الأشياء ولا تعمل فيه ! » ، وكان يقول : « الذي يخالطنا ؛ إن لم يحصل له شيء من إرث الحقيقة ؛ حصل له صلاح دينه وزوال الغرة منه » .
وكان صاحب وقته ، وفريد عصره ومصره ، تصرف مصالح المسلمين على يده ، ويتصرف فيها بإذن من ربه ، ويذعن له أهل الوقت من الولاة والقضاة وغيرهم ، وله كرامات عديدة يطول ذكرها .
وكان يقول لأصحابه : « إذا عرضت لأحدكم الحاجة ؛ فليجلس أمامي مضمرا لها في نفسه ، ولا يحتاج أن يذكرها لي » ، وكم قضيت لهم ولغيرهم على يده من المآرب ، وصرف اللّه ببركاته عن قاصديه من المضايق والمصائب ، وكان يشير لانطواء الكون في قبضته في حالة الفناء ، ويذكر الآية :
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ .
[ الزمر : 67 ] ، ثم يقول : « ومن سلك هذا يعرفه » . ويذكر في ذلك قول الشيخ سيدي عبد القادر : « وهي في قبضتي كفرخ الحمام » ، ويشير كثيرا لمقام البقاء ، ويقول : « الشريعة ظاهرا ، والحقيقة باطنا » . ويقول : « الشريعة حتى إلى الماء والرمل ، والحقيقة حتى إلى الماء والرمل » . يشير بذلك كله لنفسه ، وأنه برزخ بين بحرين ؛ بحر التشريع ، وبحر التحقيق . وفي بعض كلامه ما يشير لمجاوزته حال الشيخ ابن عباد رضي اللّه عنه ، وأعظم بها شهادة ؛ إذ هي شهادة العارف لنفسه ، ولا أقوى منها . وكان إذا قال له أحد : إني أحبك . يقول له : « أحمد اللّه » .