تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وعلق بزيارة سيدي أبي عبد اللّه التاودي ؛ دفين خارج باب الجيسة ، حتى إذا بلغ الأشد وبلغ حدود الثلاثين ؛ جمعه اللّه بالشيخ أبي المحاسن ؛ فسلب له الإرادة ، وألقى إليه قياده ، فصرف أبو المحاسن عنان عنايته إليه ، إلى أن فتح له على يديه ، وانتفع به انتفاعا قويا ، وشرب منه مشربا رويا ، وعلى يديه كانت له الولادة ، وكثير من التربية والإفادة . وكانت صحبته له أربع سنين - أو ما يقرب منها - من السنة التي توفي فيها سيدي إبراهيم الصياد إلى أن توفي سيدي يوسف . . . فأخذه بعده عن أخيه ووارث حاله : العارف باللّه سيدي عبد الرحمن ؛ فبقي في صحبته له ثلاثا وعشرين سنة ، مدة ما بين وفاة سيدي يوسف وسيدي عبد الرحمن ، وهو عمدته وعليه عول ، وبه تهذب وتكمل ، وكان يخدمه بنفسه وماله ، وكان العارف المذكور يعظم أمره ، ويجل ذكره ، ويظهر جلالته وفخره ، ويقول : « إنه من أرباب القلوب » ، وتارة : « إنه لا يوجد مثله في المشرق ولا في المغرب » ، وتارة أخرى : « إنه ليس تحت قرص السماء مثله » ، وتارة أخرى : « ما احتزم أحد بحزامه » ، وقال فيه مرة عندما أساء بعض الناس إليه : « إنه كالشوكة في الطين » ، يعني : أنه تصيب سهامه أهل الإذاية ، كما تصيب الشوكة في الطين واطئها وليس له بها دراية . ولما توفي [ 285 ] العارف المذكور ؛ أحاط صاحب الترجمة بميراثه وميراث شيخه من قبله سيدي يوسف ، إلا أنه بقي بداره مدة لم يؤذن له في الانتصاب لدلالة الخلق على اللّه . ثم إنه زار الشيخ مولانا عبد السلام بن مشيش - رضي اللّه عنه - فوقع له الإذن هناك - كما أخبر به عن نفسه - فلما رجع ؛ جلس في زاوية شيخه سيدي يوسف الفاسي ؛ لقربها منه ، وكان يسكن بالمخفية ، فأتاه الناس من كل جهة ، وقال لهم : « اركبوا هذه الرقبة ؛ فقد هددت بالسلب إن لم أخرج إليكم ! » . وتغرغرت عيناه بالدموع . وتصدى - حينئذ - لإرشاد المؤمنين ، وتربية المريدين . وكان يشير لخدمة الجن إياه ، وحضورهم مجلسه ، ويقول : « أول من يخدم المخصوص : الجن ؛ لأنه أكيس من الآدمي » . وبقي في زاوية شيخه نحو ستة أشهر ، ثم بنى زاويته التي بأعلى المخفية على ضفة وادي الزيتون سنة ثمان وثلاثين وألف ، فانتقل إليها بأصحابه ، يدل على اللّه ، وينصح لعباد اللّه ، وينصر سنة رسول اللّه ، ويحيى أمور الدين وقلوب المؤمنين بما منحه اللّه من المعارف والأسرار ، والبركات والأنوار ؛ فأحيى اللّه به البلاد والعباد ، ونفع به الحاضر والباد ، وانتشرت على يديه أمور السنة بالمدينة ، وأشرقت بها آياته المبينة . وكان - رضي اللّه عنه - كامل الأنوار والمحاسن ، قوي الظاهر والباطن ، عارفا راسخا ، وطودا شامخا ، مقيما للسنة ، قائما بمصالح الأمة ، مجددا للدين ، محبا في أبناء سيدي المرسلين ، واسع المعرفة ، علي المقام ، قوي الحال ، متصفا بكمال الإرث من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ على حالة سيدي يوسف الفاسي ، ونسخة منه في الكمال والتمكين .