وكان شيخ المغرب كله في علوم القراءات ، وأحكام الروايات ، إليه المرجع فيها في وقته ، ماهرا فيها ، عارفا بطرقها وعللها وتوجيهاتها ، يحفظ قراءة العشر ، متفننا في غيرها من لغة وعربية وبيان ، وأصول ومنطق وفقه ، وتفسير وحديث وتصوف . . .
وتولى الإمامة والخطابة والتدريس بمسجد الشرفاء عام أربعة وستين ومائة وألف ، وبقي به نحو الخمسة عشر عاما إلى أن توفي ، وكان مشتغلا بتدريس العلم ، صابرا على الإقراء ، يستغرق فيه الأوقات ؛ فيجلس أول النهار بعد صلاة الصبح بقبة مولانا إدريس لتدريس البخاري [ 270 ] والتفسير ، ثم يجلس خفيفا بعد طلوع الشمس لقراءة " المختصر " ، ثم يجلس بعد ذلك بعنزة مسجد القرويين لإقراء القراء وسماع القرآن . وكانت الأكابر تقصده لتجويد القراءة ، وكان يقرأ معهم كتب ذلك الفن في الخميس والجمعة بقبة المدرسة الرشيدية .
أخذ العلوم الشرعية عن العلامة المسناوي وغيره ، والقراءة عن والده ؛ وأجازه فيها بخط يده ، وفتح عليه حتى فاق والده فيها . ولما جلس للإقراء ؛ رحل إليه الناس وقصدوه من كل جانب ، وانتفعوا به غاية النفع .
ومن أجل من أخذ عنه وانتفع به : الشيخ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن عبد السلام بن محمد بن عبد السلام الفاسي ، والأستاذ الأشهر الشريف أبو عبد اللّه سيدي محمد بن عبد الرحمن التادلاوي الحسني العمراني ، والأستاذ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن أحمد الهبطي ، والأستاذ العارف مولاي العربي بن أحمد الدرقاوي ؛ وقد عده في رسائله من جملة شيوخه الذين قرأ عليهم القرآن وانتفع بهم ، وحدث عنه فيها بكرامات .
وله - رحمه اللّه - تآليف عديدة ؛ كحاشية الجعبري الكبيرة ، وأخرى صغيرة على " فتح المنان " ، وشرح " الدالية " ، وحاشية على المرادي ، وفهرسة تعرض فيها لشيوخه ؛ قال فيها : « وقد أدركت سيدي أحمد ابن عبد اللّه ، ودعا لي مرارا ، وناولني طعاما حلوا بيده مرارا ، ودخلت عليه منزله مرارا ؛ لأن زوجته التي توفي عنها كانت من محارمي من قبل الأم ، وكان عمري حين توفي نحو عشر سنين » . ه .
وكان - رضي اللّه عنه - مع ما حازه من العلوم ؛ من أهل الصلاح والكشف ، وأرباب الكرامات . ومن كراماته : أن الإنسان إذا كان محموما ثم زار قبره ؛ برئ من حينه . ذكر ذلك تلميذه مولاي العربي في رسائله . قال : « وقد جربته أنا وغيري ؛ لأني مرضت مرض الحمى الثلثية ستة أشهر ، فقال لي يوما الأستاذ القيدي : أو ما عملت أن الشيخ مولاي عبد الرحمن كان يتصرف فيها ؟ ! . فزرت قبره ؛ فذهبت عني ، ولم تعد إلي من ذلك اليوم قط » . ه .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 306
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٣٠٦