البكاء ، وكانت تصدر منه في بعض الأوقات - إذا كان في القراءة أو غيرها - صيحة تكاد القلوب تنفطر من عظمها ؛ لغلبة الوجد عليه ، وصفتها : " آه " . ثم لا يرى بعدها تغير في بشريته ؛ كأنه على حاله .
وكان إذا رأيته في مجلسه ؛ قلت : إنه شبه النائم . مما هو فيه من السكينة والوقار والهيبة ، ومع ذلك لا ترقد منه شعرة ، حتى إنه لو غير أحد من أصحابه حرفا أو حركة تفطن له من حينه ، وتكلم عليه .
وكان شريف الأخلاق ، لطيف الصفات ، كامل الأدب ، جليل القدر ، وافر العقل ، دائم البشر ، مخفوض الجناح ، كثير التواضع ، شديد الحياء ، متيقظا في دينه ، لا يغفل ولا يفتر ، مراعيا لأوقاته ، شديد الورع في تصرفاته وأحواله ، شديد الاتباع لأحكام الشرع وآداب السنة ، محافظا على استعمال الأذكار والدعوات المختلفة باختلاف الأحوال ، معمور الأوقات بالذكر والصلاة والتلاوة والمطالعة ، ويقول : « أوقاتنا كلها عامرة ، لو قيل : غدا تموت ؛ لم أجد مستزادا ! » .
وكان محبا لأهل الصلاح والفضل ، مكرما لأهل العلم ، شديد التحرز من الغيبة ، لا يذكر غائبا ولا يذكر بحضرته إلا بما اقتضاه العلم ، بعيدا من الرخص ، مقبلا على الجد ، مدبرا عن الدنيا وأهلها ، زاهدا فيها منزويا عنها ، غير متوسع فيها ، ظاهر الهداية ، مقبول الولاية ، بريئا من الدعوى ، لا يترك أحدا يقبل يده ، ويقول : « ما يمد يده للتقبيل إلا أحد ثلاثة : مأذون ، أو مجنون ، أو طرمون ، ولست بواحد منهم » .
ويتبرأ من دعوى الشيخوخة ، ويقول لأصحابه : « إنما نتعاون على الدين فقط ، ولست لكم بشيخ » ، ويقول : « يا أصحاب ، ويا إخوان » . قال المرابي في " التحفة " : « ولقد سمعته غير مرة يقول للفقراء : إياكم أن يظن أحد في أني صالح أو أني شيخ ، فلا واللّه ؛ ما أنا بصالح ولا بشيخ ، إنما أنا رجل مسلم » . قال المرابي : « وو اللّه إنه لشيخ ؛ ولكن المؤمن يهضم نفسه . ولعمري ؛ إن لم يكن هو شيخا فمن يكون الشيخ ؟ ! ! » . ه .
وكان - رحمه اللّه - صادقا في أحواله كلها ، إذا فعل فعلا أو قال قولا فلم يظهر لأصحابه وجهه ؛ سألوه فأخبرهم . لعلمهم أنه لا يتحرك ولا يسكن إلا بوجه صحيح .
وكان يقول : « لو مثلت لي الشريعة بين يدي كأنها دار أو حصن وقيل لي : اختر لنفسك يا رضوان إما أن تهتك هذا الحصن وإما أن يجزّ عنقك . لقلت : يجز عنقي ولا أسقط منه مقدار ذرة من التراب ! » . ووجد بخطه في بعض مسوداته : « اللّه اللّه لا تنساه . الناس الناس اهرب منهم ! » .
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 292
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٢٩٢