ثم قضى الشيخ نحبه ، وبلغ أجله ؛ فبقي بعده بمراكش نحو العام ، يقرأ ويطلب العلم ، ثم عاد إلى فاس ؛ فوجد الشيخ أبا عبد اللّه سيدي محمد الطالب قد اجتمع عليه الفقراء بزاوية شيخه الغزواني بباب القليعة ، على مقربة من ضريح سيدي أبي غالب ، فصحبه ولازمه ، وأقامه في الصحبة مقام شيخه زمنا طويلا ، وفي ملازمته له كانت شدة مجاهدته وخدمته .
ثم اشتغل بالقراءة وطلب العلم على شيخه أبي محمد عبد الرحمن سقّين ، ولما رآه سقين يقصد زاوية سيدي محمد الطالب مع الفقراء ؛ قال له : « قد أفسدت نفسك وضيعت العلم ! » .
فأجابه بقوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ .
[ البقرة : 220 ] . وفي خلال هذه المدة زار الشيخ الحاج أبا عبد اللّه محمد بن علي الأندلسي البرجي ؛ الشهير بالشطيبي ، بموضعه بتازغدرة من بلاد بني زروال ، وأخذ عنه . وكان إذا ذكره ؛ يعظم أمره ، ويجل قدره ، ويكتب فيه : شيخنا . وطلبه في النصيحة عند إرادة الانصراف عنه ؛ فقال له : « اللّه اللّه في اللّه » .
[ 710 - استطراد بترجمة الشيخ سيدي محمد بن علي الشطيبي ] ( ت : 963 )
والشطيبي هذا : كان واسع العلم والمعرفة ، شهير الذكر ، وهو صاحب التآليف المشهورة ؛ أخذ عن زروق عن تلميذه الشيخ أبي العباس أحمد بن يوسف الراشدي . وكانت ولادته سنة اثنين وثمانين وثمانمائة ، وتوفي بموضعه المذكور في ربيع الثاني سنة ثلاث وستين وتسعمائة .
[ رجوع لترجمة الإمام الجنوي ]
وأخذ - أيضا - صاحب الترجمة عن الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن علي الخروبي الطرابلسي ؛ شارح " الصلاة المشيشية " ، نزيل الجزائر ودفين خارجها سنة ثلاث وستين وتسعمائة ، وكان يكاتبه بأسئلة في التصوف فيجيبه عنها ، وزار الشيخ أبا عبد اللّه محمد ؛ المعروف بالكبير بن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن عبد اللّه بن محمد ابن بكار بموضعه بالجبل المسمى بجبل وبلان .
ثم انتهت إليه الرياسة بعد ذلك في تربية السالكين ، وتهذيب المريدين ، وكشف مشكلاتهم ، وتفصيل أحوالهم ، وظهرت بركته وخيره على كثير ممن صحبه وأخذ عنه .
وكان - رحمه اللّه - إمام أهل الزهد والورع ، والعلم والعمل على سنن السلف الصالح ، حافظا للحديث ، راوية له في وقته ، ولم يشتهر من أصحاب الشيخ الغزواني الفاسيين غيره ، وكان شديد الخشوع والخشية ، كثير البكاء [ 258 ] ، حتى كان شيخه أبو محمد عبد الرحمن سقين يسميه برضوان