وحكايات الناس عنه - فيما يدل على علو مقامه - كثيرة ، رضي اللّه عنه ونفعنا به ، وقد سمعت بعض الأشراف من السادات الأمرانيين يحكي قال : « سمعت الناس يحكون [ 248 ] عن مولاي الطيب الكتاني أنه كان يقول : إني أتصرف بعد الممات أكثر مما أتصرف في حال الحياة » .
قلت : وهذا مما يدل على علو مقامه ؛ لأنه لا يتصرف بعد الموت إلا الأكابر ؛ كالشيخ عبد القادر الجيلاني ، والشيخ مولانا عبد السلام بن مشيش وأضرابهما « 1 » .
وحدثني - أيضا - بعض الأشراف ممن أدرك صاحب الترجمة عن بعض أصحابه قال : « ذهب مرة جماعة من أصحاب مولاي الطيب الكتاني لزيارة مولانا إدريس الأكبر بزرهون ، بأمر منه لهم بذلك ، ثم مروا بمكناسة الزيتون ، فذهبوا لزيارة سيدي قدّور العلمي بها ، فلما جلسوا بين يديه ؛ قال لهم : « أصحاب من أنتم ؟ » . قالوا له : « أصحاب مولاي الطيب الكتاني » . فقال لهم : « ما هو الورد الذي أعطاكم ؟ » . فحصل لهم منه حياء وخجل ، وقالوا له : « يا سيدي ؛ ما أعطانا شيئا ، ولا يعطي لأحد شيئا » .
فلما رجعوا ؛ قالوا : « لا بد لنا من طلب الورد منه » ، فطلبوا منه ذلك ، وقالوا له : « يا سيدي ؛ قد قال لنا سيدي قدور كذا وكذا » ، فقال لهم : « هلا جاوبتموه ؟ » . فقالوا له : « وبم نجاوبه ؟ » . قال :
« هلا قلتم له : صاحبنا يغني أصحابه بالنظرة ، ولا يحتاجون إلى ورد ؟ ! » . فحصل لهم سرور بذلك وسكتوا .
وأخبرت أن الشريف الصالح المجذوب سيدي العابد الكتاني - المتقدم الذكر - كان أخذ في أول أمره عن الشريف الولي الكبير سيدي المهدي العراقي ، وكان يتردد إليه ، فلقيه مرة صاحب الترجمة وقال له : « تتركون الماء الجاري وتتبعون الماء المحكن ! » . أي : الراكد . ثم قال : « نحن - يعني : معاشر الشرفاء الكتانيين - إدامنا فينا ؛ فلا نحتاج لإدام عراقي ولا صقلي ! » ، ثم ضربه على كتفيه ، وقال له : « اذهب ! » . فحصل له من ذلك الوقت ما حصل من الجذب .
قلت : ولعل سيدي المهدي المذكور في ذلك الوقت لم يكن قد ظفر بما ظفر به من الفتح الكبير ، ثم أشرقت بعد ذلك شموسه ، وفاضت أنواره ، واتسعت أسراره ، إلى أن صار من كبار الأولياء .
ويقال : إنه تقطب . رضي اللّه عن الجميع ، ونفعنا بهم . . . آمين .
هامش
( 1 ) وذكر ابن عمة المؤلف الإمام العارف الشريف أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني في كتابه " الكمال المتلالي " ص 82 . عن المترجم له بأن : " قطبانيته تشاكل قطبانية الإمام الشاذلي " .