تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ورأيت [ 246 ] بخط سيدنا الوالد - أبقاه اللّه ونفع به - وصفه بالقطبانية ، وكنت قد توقفت عن وصفه بها مدة ، ثم سمعت عنه من الحكايات والأخبار ما أيقنت معه باتصافه بها ، وعلمت به أنه صاحب الوقت في زمانه ، وسلطان أولياء عصره وأوانه . . من ذلك : أن الحاج الطيب ابن سليمان - وكان من أصحابه - حج مرة وزار قبر المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك قبل اتصاله به ، فلما كان تجاه القبر الشريف ؛ طلب من اللّه تعالى أن يدله على رجل من آل البيت يوصله إلى اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رجع بعد ذلك لفاس ، بينما هو يوما يخدم في طرازه على العادة ؛ إذ دخل عليه صاحب الترجمة وقال له : « قم معي ! » ، فأبى من ذلك في نفسه ، ثم إنه استحيا وقام معه ، فعلم صاحب الترجمة أنه إنما قام معه حياء . فقال له : « أيليق برجل طلب من اللّه تعالى تجاه قبر المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم أن يدله على رجل من آل البيت يوصله إليه ، فجاء الرجل الذي طلب إليه وأمره بالقيام معه أن يمتنع ؟ ! » . فلما قال له القول المذكور ؛ أيقن بخصوصيته ، وبأنه الرجل المطلوب ؛ فانقاد إليه ، وقال له : « يا سيدي ؛ السمع والطاعة » . فذهبا إلى أن خرجا على باب الفتوح ، ووصلا لضريح سيدي علي بن حرزهم ؛ فجلسا هناك ، ثم إن صاحب الترجمة قام وتركه ، وذهب متوجها قبل الطريق ، فلقي رجلا مقبلا من ناحية القبلة عليه درابيل « 1 » ، فتكلم معه ساعة ثم رجع ؛ فقال له المحدث عنه : « يا سيدي ؛ من هذا الرجل الذي كنت تكلم ؟ » . فقال له : « هذا رجل من بغداد ؛ طلب من رجال بلده أن يدلوه على صاحب الوقت ، فقصدوه بنا ؛ فجاءنا ، وقد تعرضنا له وأمرناه بالدخول لزيارة مولانا إدريس رضي اللّه عنه آمنا » . قال : « فقلت له : ولماذا يا سيدي لم تخبرني به حتى أزوره ؟ » . قال : فقال لي : « يا بابا أخيي - وكان هذا القول كثيرا ما يجري على لسانه في مخاطباته - كل أحد إنما ينفعه صلاح بلده » . فقد صرح - رضي اللّه عنه - في هذه الحكاية بأنه صاحب الوقت في عصره ، وذلك مما يدل على قطبانيته . ومما يدل عليها أيضا : ما حدثني به بعضهم عن والد له ؛ وكان من أصحاب صاحب الترجمة قال : « سمعت مولاي الطيب الكتاني يقول : قدمي على قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وليس عند جدي صلّى اللّه عليه وسلم أعز مني » . قال : « وسمعته أيضا يقول : من مس ثوبه ثوبي لم تمسه النار » .
هامش
( 1 ) الدرابيل : ج : دربالة . وهي قطع قماش ولباس ممزق وغير منتظم ، على هيئة اللباس . وهو بالعامية المغربية .