تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
ومنها : ما حدثني به الفقيه الأجل ، المدرس الأمثل ؛ صاحبنا أبو العباس سيدي أحمد ابن المهدي المعروف بابن العباس ، عن والده المذكور قال : « كنت في حال الشباب ذا نخوة وعجب في نفسي ، وكنت لا أباشر شيئا من السوق بنفسي . فلقيني مرة مولاي الطيب الكتاني وقال لي : اشتر لي كذا وكذا من القرع . قال : فما وجدت بدا من امتثال أمره ، وفعلت ؛ فذهب عني كل ما كنت أجده في نفسي من ذلك الوقت ببركته ، وعلمت أنه إنما أراد مداواتي » . ومنها : ما حدثني به غير واحد من الأخيار ؛ أن صاحب الترجمة دفع مرة شيئا من الشمع لبعض أصحابه ليلا ، وأمره أن يذهب به في ذلك الوقت لسلطان الوقت مولانا عبد الرحمن بن هشام ، فلم يمكنه أن يوصله له فيه ؛ لمكان الليل ، فلما كان الصباح ؛ صعد به إليه ، فقال له : « ما شأنه ؟ » ، فقال له : « إن سيدي الطيب الكتاني أمرني أن آتي سيدنا به في وقت كذا وكذا من الليل ، ولم يمكني ذلك في ذلك الوقت » . فقال له السلطان المذكور : « سبحان اللّه ؛ واللّه لقد قمت في تلك الساعة واحتجت لشيء من الشمع ، وفتشت عليه ؛ فما وجدته ، فهذا مولاي الطيب يقول لنا : إنك بأعيننا ولا يخفى علينا شيء من أمرك ! » . ومنها : أن بعض أصحابه - وهو : الحاج محمد القباب - أراد مرة الحج ، وتكارى مع الجمّال ؛ فلما أراد الخروج ؛ أرسل إليه صاحب الترجمة يأمره بالرجوع ، ويترك الحج في تلك السنة ، فامتثل ورجع ، وفسخ العقدة التي كانت بينه وبين الجمال . ولما لقي صاحب الترجمة ؛ قال له : « إن ظبية تريد أن تمر عليك قريبا ، ونريد أن تكون في بلدك مع أهلك » ، فبعد أشهر يسيرة ؛ مرضت عيناه وآل أمرهما إلى الذهاب ، وصار لا يبصر بهما شيئا . فذهب مرة لطبيب يطبه ؛ فقال له : « هذه العين - وأشار لإحدى عينيه - صارت حفرة ، والأخرى طلع عليها الماء الأزرق ؛ فلا دواء لك » ، فحصل له بذلك غم عظيم ، ثم إنه بدا له يوما في الذهاب لزيارة مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - فبينما هو في أثناء الطريق ؛ إذا بصاحب الترجمة ، فقال له : « أين تريد ؟ » ، فقال : « يا سيدي ؛ زيارة مولانا إدريس ، أطلب منه الشفاء لعيني » ، وقص عليه قصته مع الطبيب . فقال له : « إن أعطيتني الوعدة ؛ شفى اللّه عينيك » ، فقال : « يا سيدي ؛ أنا كلي لك ! » ، فوضع يده على عينيه وقرأ ما تيسر ، ثم مسح بها على وجهه ، ورمى من يده بشيء أسود على هيئة الذبابة ، فأبصر في الحين ، وذهب لزيارة مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - مبصرا كأن لم يكن به شيء .

قلت : فكان في هذه الحكاية كرامتان عظيمتان :

الأولى : أمره بالرجوع ، وإخباره بما سيقع له . الثانية : رد بصره عليه بعد اليأس منه في الحال ، من غير استعمال دواء [ 244 ] ولا مضي زمن يمكن فيه التداوي ، فسبحان القادر على كل شيء ! .