فساروا إلى الزاوية بهذا القصد ، وفيهم الشيخ سيدي عبد اللّه الغزواني ، فلما أخذ الفقراء في الذكر ، دخل معهم فيه ، فأدركه في باطنه أمر عظيم قال : إنه كشف له فيه من العرش إلى الفرش .
ويقال : إنه غسل أيدي الفقراء بعد الطعام ، وشرب الماء الذي غسلوا فيه أيديهم .
فلما نزل به ما نزل ؛ جلس بين يدي شيخ أولئك الفقراء ؛ وهو : الشيخ أبو الحسن علي صالح - صاحب الترجمة - وقص عليه قصته ، وطلب منه أن يقبله مريدا ؛ فقال له الفقراء : « يا سيدي ؛ اقبله » ، فقال لهم : « هذا عربي قوي - بالقاف القريبة من الكاف ؛ كما ينطق به أهل الأندلس - بل أبعثه للشيخ ! » . فبعثه لمراكش لشيخه ؛ شيخ المشايخ ، وجبل الفضل الشامخ ، أستاذ الأكابر ، وجرثومة المفاخر ، بحر العرفان ، ومجمع المآثر الحسان ، العالم العامل ، والسيد الكامل ، قطب وقته ووارثه وغوثه النفاع ، وإمام أيمة الطريقة في عصره من غير اختلاف ولا نزاع ؛ أبي محمد وأبي فارس سيدي عبد العزيز بن عبد الحق المعروف بالتباع ، ويعرف - أيضا - بالحرّار ؛ نسبة إلى صناعة الحرير ، إذ كانت حرفته في أول أمره [ 209 ] .
فرحل إليه ، ولازمه وخدمه ، وكان من أمره ما هو مشهور ، وفي غير ما ديوان من دواوين الأيمة مذكور ، وقد قال بعضهم : « كان الشيخ أبو عبد اللّه الغزواني آية من آيات اللّه في ملكه ، وبهجة عقد الأولياء وواسطة سلكه ، بحرا لا يجارى ، وسيفا صارما لا يبارى ، له الكرامات الكثيرة ، والمنازلات العظيمة الشهيرة ، بلغ بها التواتر في أقصى البلاد ، ولم تزل متداولة بين العباد ، وأخباره لا تحصى ، ومناقبه لا تستقصى » .
وقال الشيخ القصار : « كان سيدي عبد اللّه الغزواني من كبار المحبين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ حدثني سيدي رضوان أنه سمعه في العام الذي مات فيه يزغرت « 1 » حين ظهر هلال ربيع النبوي - على المولود فيه أفضل الصلاة والسلام - وكان سائر المشايخ من أصحابه - كأبي الحجاج التليدي ، وأبي البقاء عبد الوارث بن عبد اللّه ، وأبي الحسن علي بن عثمان . . . وغيرهم - يصرحون بقطبانيته ، وكتب إليه الشيخ ناصر الدين اللقاني من مصر يسأله عن القطب : أين هو ؟ .
فكتب إليه يشير إلى نفسه ، فلما بلغه الجواب ؛ قال لحاضريه : هذا صاحب الوقت ؛ فمن أراد لقاءه ؛ فليتوجه إليه ! » .
هامش
( 1 ) أي : يزغرد .