تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
والحديث ، والقراءات والتفسير ، وله عارضة في المقابلة بين أقاويل العلماء والبحث معهم ، ويجيب عنهم بمقتضى الصناعة والآلات ، ويصرح لنفسه بالاجتهاد ، ويرد على الأكابر من المتقدمين والمتأخرين ، ويصرح بأنهم لو أدركوه ؛ لانتفعوا به ! . وكان كثير التنويه بقدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والاستغراق في بحر محبته ، ويحمل الخلق على وسعهم منها بشدة وغلظة إذا استولى عليه الغرق فيها ، وربما أدركه البكاء وهو على الكرسي في مجلس درسه ، وربما غلبه الضحك وتمادى به جدا ، وربما تكلم بأسرار على سبيل الكشف ، وربما عاجل بأخبار يتوقع وقوعها فيما يستقبل . وقد كلمه تلميذه الشيخ التاودي - رحمه اللّه - يوما في شأن الحج متمنيا له ذلك ، وأن تشرق شموس علمه هنالك ، فقال له مشيرا إلى شيخه مولاي عبد العزيز الدباغ : « إن الناس قالوا لي : جعلناك في حق - يعني : بضم الحاء - فلا تخرج من هذه البلدة ، وإنك أنت - يعني : الشيخ التاودي - ستحج وأعطيك ألف دينار ، أو قال : ألف مثقال [ 203 ] إن شاء اللّه » ، ولم تكن نفسه تحدثه بالحج في ذلك الوقت ، ولا يخطر لها ببال ؛ فحج ونال ما ذكره له صاحب الترجمة . وكان - رحمه اللّه - محبا للغرباء ، مواسيا للضعفاء ، خاشعا متواضعا ، ذا صلاح وولاية وكرامة ، وكان له اعتناء كبير ومحبة عظيمة في شيخه مولاي عبد العزيز الدباغ ، وسلب له الإرادة في علمه وعمله ، وتبعه بقلبه وقالبه ، حتى لا يكاد يسلو عنه طرفة عين ، ويجالسه في الأسواق التي لا يمر بها غيره ممن له فضل علم ومروءة ، ويناوله ما يحتاج إليه مما ليس شأن مثله أن يناوله ، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه ؛ فظهرت عليه آثار صحبته ، وانتفع غاية النفع بمعرفته . وكان شيخه المذكور يحبه محبة عظيمة جدا ، وقال له مرة : « حاسبني بين يدي اللّه عزّ وجل إن كنت لا أنتبه لك في الساعة الواحدة خمسمائة مرة » . وقال له مرة : « يا سيدي ؛ رأيت في المنام ذاتي وذاتك في ثوب واحد ! » ، فقال له رضي اللّه عنه : « هذه رؤيا حق » ، وأشار إلى أنه لا يفارقه ليلا ولا نهارا . وقد ألف - رضي اللّه - تآليف عديدة ؛ منها : " الذهب الإبريز " الذي ألفه في مناقب شيخه المذكور كما تقدم ، وألف بعضهم في الرد عليه ؛ فحاد عن سواء السبيل . ومنها : تأليف في قوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ .
[ الحديد : 4 ] ، و " كشف اللبس عن المسائل الخمس " ، و " رد التشديد في مسألة التقليد " ، وتأليف في " دلالة العام على بعض أفراده " ، وطرر على شرح الشيخ سيدي سعيد قدّورة على " السلم " ؛ جردها بعض الطلبة . وله تقاييد وأجوبة . وأخذ عنه جماعة من العلماء يطول ذكرهم .