تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
وقال - أيضا - في " الإبريز " في الباب الذي تكلم فيه على شيخ التربية ؛ وهو : الباب السادس . ما نصه : « ولما مات الشيخ ؛ كنت أتكلف الذهاب إلى زيارته في قبره كثيرا ؛ فوقف علي في المنام ، وقال لي : إن ذاتي ليست بمحجوبة في القبر ، بل هي في العالم كله ، عامرة له ، ومالئة له ، وفي أي موضع تطلبني تجدني ، حتى إنك لو قمت إلى سارية في المسجد وتوسلت بي إلى اللّه عزّ وجل ؛ فإني أكون معك حينئذ . . . قال : ثم أشار إلى العالم كله ؛ فقال : وأنا فيه بأجمعه ؛ فحيث ما طلبتني وجدتني ، وإياك أن تظن أني أنا ربك عزّ وجل ؛ فإن ربك عزّ وجل غير محصور في العالم ، وأنا محصور فيه . . . قال : هذا ما سمعته منه - رضي اللّه عنه - في المنام ، وكذا سمعته - رضي اللّه عنه - يقول في حياته : إن العالم كله قد يكن أحيانا في وسط جوفي . وسمعته - رضي اللّه عنه - أحيانا يقول : ما السماوات السبع والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض » . ه . وقد كان له - رضي اللّه عنه - أصحاب أخيار ، وتلامذة مباركون ، فيهم الفقهاء وغيرهم ، انتفعوا به ، وتخرجوا على يديه . وكان - رضي اللّه عنه - يؤدبهم ويهذبهم ، ويعلمهم ما ينتفعون به دينا ودنيا ، وشريعة وأدبا ، وكان رحيما بهم ، شفيقا عليهم ، يرأف بهم أشد من رأفة الوالد على ولده ، ويهتم بأمورهم كلها أشد من اهتمامه لنفسه . وفي " الإبريز " ما نصه : « وما كان - رضي اللّه عنه - لأصحابه إلا رحمة محضة ؛ يشفع لهم في زلاتهم ، ويتكفل لهم بنوائبهم ، ويحتمل لهم كل ما يخشون [ 200 ] عاقبته ، ويهتم لأمورهم أكثر مما يهتم لأموره . . . قال : وقال لي - رضي اللّه عنه - ذات يوم : الرجل الذي لا يشاطر صاحبه في سيئاته ؛ ما هو بصاحب له . وقال : إن لم تكن الصحبة إلا على الحسنات ؛ فما هي بصحبة . قال : وبالجملة ؛ فما كان - رضي اللّه عنه - لأصحابه إلا رحمة مرسلة من اللّه عزّ وجل ؛ فعلى مثله يبكي الباكون » . ه . وفيه - أيضا - بعد هذا بقريب ما نصه : « وكنا معه - رضي اللّه عنه - على حالة قل أن يسمع بمثلها ؛ لا ينزل بنا أمر مهم أو غير مهم إلا ذكرناه له ؛ فيتحمله عنا عيانا ، ويريح خاطرنا منه بمجرد ذكره له . قال : وكان - رضي اللّه عنه - يمازحنا ، ويضاحكنا ، ويزيل الحياء عنا ، ويفاتحنا بالأمور قبل أن نسأله عنها ، ويقول لنا : لا تجعلوني في مقام الشيخ ؛ إنما أنا لكم بمنزلة الأخ ، ومقام الشيخ لا تطيقون القيام بآدابه ، فأنا أسامحكم ، وأجعلكم في حل من ذلك ، واجعلوني بمنزلة الأخ ؛ تدوم الصحبة بيننا وبينكم » . ه . وأجل أصحابه علما ودينا : الشيخ أبو العباس ابن مبارك ؛ مؤلف كتاب " الإبريز " المذكور . وقد ذكر في أثنائه أن أول اجتماعه معه : كان في رجب سنة خمس وعشرين ومائة وألف ، وأنه : سايره في