والنظر والفكر فيها ما دامت العلة موجودة والآفة ثابتة ، وبعد النجاة من مرض القلب ودفع الغشاوة البشرية لا يبقى غير البداهة ، مثلا الصفراوي ما دام مبتلى بعلة الصفراء فحلاوة السكر عنده تحتاج إلى دليل ، والأحول يرى الشخص الواحد اثنين ويحكم بعدم وحدته فهو معذور ، ووجود الآفة فيه لا يخرج وحدة الشخص من البداهة ولا يجعله نظريا ، ومعلوم أن ميدان الاستدلال ضيق واليقين الذي يحصل من طريقة الأدلة متعذر جدا ، فلا بد من تحصيل الإيمان اليقيني من إزالة المرض القلى ، فكما أن السعي في إزالة علة الصفراء للصفراوى لتحصيل اليقين له بحلاوة السكر أهم من السعي في إقامة الأدلة لتحصيل اليقين بحلاوته ، فكذلك ما نحن فيه فان النفس الأمارة منكرة بالذات للأحكام الشرعية وحاكمة بالطبع بنقاضتها ، فتحصيل اليقين بهذه الأحكام الصادقة بالأدلة مع وجود إنكار وجدان المستدل متعذر جدا ، فلا بد في تحصيل اليقين تزكية النفس ، وتحصيل اليقين من غير تزكيتها صعب لآية
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
، فعلم أن منكر هذه الشريعة الباهرة والملة الطاهرة الطاهرة مثل منكر حلاوة السكر ، فالمقصود من السير والسلوك وتزكية النفس وتصفية القلب إزالة الآفات المعنوية والأمراض القلبية ، كما قال تعالى :
خ خ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، ، *
، حتى يتحقق بحقيقة الإيمان ، فان وجد إيمان مع وجود هذه الآفات فهو بحسب الصورة فقط ، فان وجدان الأمارة حاكمة بخلافه ومصرة على حقيقة كفرها ، ومثل هذا الإيمان والتصديق الصوري مثل إيمان الصفراوي بحلاوة السكر ، فان وجدانه شاهد بخلافه ، فكما أنه لا يحصل اليقين الحقيقي بحلاوة السكر إلا بعد إزالة مرض الصفراء ، فكذلك لا تحصل حقيقة الإيمان إلا بعد تزكية النفس والاطمئنان ، وحينئذ يكون وجدانيا ، وهذا القسم من الإيمان محفوظ من الزوال ،
خ خ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، ،
صادق في شأنهم - شرفنا اللّه تعالى بشرف هذا الإيمان الكامل الحقيقي .