عوض جبايتكم ، فيقول الوالي : انّ هذا الأمر يحتاج إلى مصارف ، وأقلّه كذا وكذا ، فان بذلت لنا ذلك كفيناك أمر هذا المهمّ .
فيذهب الرجل ويبيع داره وما عنده من بقيّة أثاثه ، ثمّ يدفع المبلغ لذلك الوالي حتّى يقيّد أن القرية الفلانيّة التي كانت لفلان قد فوّض أمرها إلى السلطان عوضا عن خراجها ، ويسمّوها حينئذ « خالصة » يعني : هي ملك السلطان ، وهكذا كانوا يفعلون حتّى اختلسوا جميع أملاك الناس إلّا القليل النادر .
ثمّ حسّن الولاة للسلطان بعد برهة من الزمان أنّ هذه الأملاك الخالصة لو بيعت من الأهالي لكان منفعة للسلطان ، ويكون سببا للعمران ، فباعوا جميع هذه الأملاك ، وما بلغ السلطان نصف الثمن ، فهذا نوع من أنواع ظلم الولاة وحكّام البلاد ، وهو أحد الأسباب التي أدّت إلى مهاجرة الإيرانيّة من بلادها إلى الممالك الأجنبيّة ، واختاروا الغربة وترك الوطنيّة .
ومن المعلوم البيّن أنّ الممالك الإيرانيّة من أعذب البلاد ماء ، وأعدلها هواء ، وأوفرها نعمة ، وأرخاها سعرا ، فهي للدنيا جنّة ، ولم يخرج أهلها منها إلّا لعظم المحنة .
ومن محنها العظيمة وبلاياها العميمة ، وكان ظهورها في أيّام السلطان ناصر الدين شاه ، أنّه لمّا رأى أنّ جميع ما يؤخذ من البلاد بعنوان جباية خراجها ، وجميع ما يأخذه بهوى نفسه ولجاجها ، لم يكف بعض مخارجه ، صار يؤاجر ولاياته على الولاة والعمّال بالخطير من الأموال .
وقد شاهدت غير مرّة وأنا في طهران ، فأراد تعيين من يولّيه فارس ، ومن يسيّره واليا على خراسان ، فانتدب علاء الدولة لفارس ، وآخر لخراسان ، فطلب من كلّ واحد منهما أداء مائتي ألف تومان ، غير الخراج الموظّف عليهما ، فقبلا وسارا من غير توقّف ، وكذلك سائر الممالك ، فانّ الوالي لم يولّ ما لم يشترط
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 454
مساهمون: السيد جعفر الأعرجي
ص٤٥٤