وصعود ، والعدل في نزول وخمود ، حتّى بلغ كلّ منهما الغاية ، والشيء إذا بلغ حدّه انقلب ضدّه ، وكان من حديث هذا الانقلاب في البلاد الشرقيّة ، أعني : الممالك الايرانيّة .
اعلم أوّلا أنّها منذ زمن المتغلّبين عليها في أيّام بني العبّاس ، بل بني اميّة وآل مروان ، بواسطة حروب المتغلّبين فيما بينهم ، استولى الخراب على هذه الممالك ، وأذهب من ضياعها الكثير ، وأمات جداولها ، وعطّل مزارعها ، ومن استطرق كور الأهواز وفارس وكرمان والري وخراسان وطبرستان وآذربيجان وكردستان قضى عجبا ، وتأجّج لهبا ، ممّا يشاهد من البلاد التي تركوها كالطلول .
حتّى انتهى الأمر إلى القاجاريّة ، وحصل لها الأمر والنهي على الممالك الايرانيّة ، بعد امتداد وقائعها مع الزنديّة ملوك فارس ، والأفشاريّة ملوك خراسان ، اشرف نجم سعدها بعد النزول على الأفول ، وكسي غصن عزّها ونضارتها بردّ الذلّ والذبول ، ورجعت معارفها رجوع المنكوس ، وتبدّل نجم سعدها بطالع منحوس ، وتلعّبت بها أيدي الأفاغنة وأيدي الروس ، فاختلسوا أكثر البلاد ، وتصرّفوا في واسع الوهاد ، لاشتغال السلطان بمهامّه النفسيّة ، وشهواته الحسّيّة ، واعراضه عن رعاية الرعيّة .
وكانت الولاة في سائر البلاد لا يتصوّر في العالم مظلمة لم يرتكبوها ، ولم يسمعوا بدراهم عند أحد من الناس إلّا جذبوها ، ولمّا نظر السلطان أنّ ما يجبى من الخراج لم يكفه ، أضاف على الجباية الملكيّة ، ما لا يقوم به واردات ذلك الملك ، فكان الرجل من الملّاكين يبيع جميع واردات ملكه ويؤدّيها لهم ، ويبقى مقروضا ، فيبيع أثاث داره وذخائر بيته ، ويرى أنّ جميع ذلك لا يقوم بما قرّر على ضيعته من الخراج ، فيرى تسليم الضيعة إليهم ، والخروج من داره وملكه أهون عليه ، فيجعلون الوسائط عند الولاة أنّ هذا ملكي لا يقوم ببعض الجباية ، فخذوه
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 453
مساهمون: السيد جعفر الأعرجي
ص٤٥٣