الكرامة قوله : وأمّا مناقبه ، فما اتّسعت حلبات مجالها ، ولا امتدّت أوقات آجالها ، بل قضت عليه الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه ، فالدنيا بحكمها وأسجالها ، فقلّ في الدنيا مقامه ، وعجّل القدوم عليه لزيارة حمامه ، فلم تطل بها مدّته ، ولا امتدّت فيها أيّامه .
غير أنّ اللّه عزّ وجلّ خصّه بمنقبة متألّقة في مطالع التعظيم ، بارقة أنوارها ، مرتفعة في معارج التفضيل ، قيّمة أقدارها ، بادية لعقول أهل المعرفة آية آثارها ، وهي وان كانت صغيرة ، فدلالتها على مقامات عظيمة أطوارها .
وهي أنّ هذا أبا جعفر محمّد عليه السّلام لمّا توفّي والده علي الرضا عليه السّلام وقدم الخليفة المأمون إلى بغداد بعد وفاته بسنة ، إتّفق أنّه بعد ذلك خرج يوم يتصيّد ، فاجتاز بطرف البلد في طريقه والصبيان يلعبون ، ومحمّد واقف معهم ، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة فما حولها .
فلمّا أقبل الخليفة المأمون انصرف الصبيان هاربين ، ووقف أبو جعفر محمّد ، ولم يبرح مكانه ، فقرب منه الخليفة ، فنظر إليه ، فكأنّ اللّه قد ألقى عليه مسحة من قبول ، فوقف الخليفة وقال له : يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان ؟ فقال له محمّد مسرعا : يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي ، ولم يكن لي جريمة فأخشاها ، وظنّي بك حسن ، انّك لا تضرّ من لا ذنب له .
فوقف ، فأعجبه كلامه ووجهه ، فقال له : ما اسمك ؟ فقال : محمّد ، فقال : ابن من أنت ؟ فقال : يا أمير المؤمنين أنا ابن علي ، فترحّم على أبيه ، وساق إلى وجهته وكان معه .
فلمّا بعد عن العمارة ، أخذ بازا فأرسله على درّاجة ، فغاب عن عينه طويلا ، ثمّ عاد من الجوّ وفي منقاره سمكة صغيرة وبها بقايا الحياة ، فأعجب الخليفة من ذلك غاية العجب ، ثمّ أخذها في يده ، وعاد إلى داره في الطريق الذي أقبل منه ، فلمّا
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 404
مساهمون: السيد جعفر الأعرجي
ص٤٠٤