وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم انصرفوا كما فعلوا أوّل مرّة ، وأبو جعفر لم ينصرف ووقف كما وقف أوّلا .
فلمّا قرب منه الخليفة ، قال له : يا محمّد ؟ قال : لبّيك يا أمير المؤمنين ، قال له :
ما في يدي ؟ فألهمه عزّ وجلّ أن قال : يا أمير المؤمنين انّ اللّه تعالى خلق بمشيئته في بحر قدرته سمكا تصيدها بزاة الملوك والخلفاء ، فيختبرون بها سلالة أهل النبوّة .
فلمّا سمع كلامه المأمون عجب ، وجعل يطيل النظرة إليه ، وقال له : أنت ابن الرضا حقّا ، وضاعف إحسانه إليه . وفي هذه الواقعة يكفيه منقبة عن غيرها ، وليستغنى بها عن سواها « 1 » .
وروينا بأسانيدنا المعتبرة عن الشيخ الجليل الموفّق محمّد بن محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد أعلى اللّه درجته ، والحديث في إرشاده ، قال : أخبرني الحسن بن محمّد بن سليمان ، عن علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن الريّان بن شبيب ، قال : لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته امّ الفضل أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السّلام بلغ ذلك العبّاسيّين ، فغلظ عليهم واستنكروه ، وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرضا عليه السّلام .
فخاضوا في ذلك ، واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه ، فقالوا : ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا ، فانّا نخاف أن يخرج به عنّا أمر قد ملّكناه اللّه ، وينزع منّا عزّ قد ألبسناه إليك ، فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم ، وقد كنّا في وهلة من عملك حتّى كفانا
هامش
( 1 ) مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي ص 87 ط طهران الحجري .