من اللّه وموادّه والهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال ، فان شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما تبيّن لكم به ما وصفت من حاله .
قالوا : قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة ، فان أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين ، وان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه .
فقال لهم المأمون : شأنكم وذاك متى أردتم . فخرجوا من عنده ، واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم - وقد تقدّم ذكره في الجزء الأوّل من الكتاب في أنساب بني تميم - وهو يومئذ قاضي الزمان ، على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، وعادوا إلى المأمون ، فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع ، فأجابهم إلى ذلك .
فاجتمعوا في اليوم الذي اتّفقوا عليه ، وحضر معهم يحيى بن أكثم ، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ، وتجعل له فيه مسورتان ، ففعل ذلك ، وخرج أبو جعفر وهو يومئذ ابن سبع سنين وأشهر .
قلت : وعلى مقتضى رواية الشيخ كمال الدين محمّد بن طلحة - المقدّم ذكرها - أنّ عمره وقتئذ إحدى عشرة سنة فما حولها ، ولا شكّ أنّ المفيد أعرف بأخبارهم من غيره وأخبر .
فجلس بين المسورتين ، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه ، وقام الناس في مراتبهم ، والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السّلام .
مناهل الضرب في أنساب العرب — صفحة 407
مساهمون: السيد جعفر الأعرجي
ص٤٠٧