اللّه المهمّ من ذلك ، فاللّه أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا ، واصرف رأيك عن ابن الرضا عليه السّلام واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره .
فقال لهم المأمون : أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه ، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم ، وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم ، فقد كان به قاطعا للرحم ، وأعوذ باللّه من ذلك ، وواللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا ، ولقد سألته أن يقيم بالأمر وأنزعه عن نفسي فأبى ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا .
قلت : فانظر إلى تدليس هذا الرجل وتزويره ، كيف لبس على الناس وأظهر حبّ آل محمّد ، وأضمر قلعهم من الأساس على خلاف ما كان عليه آباءه من التجاهر بجفائهم وتبعيدهم وتخليدهم بالحبوس ، وقتلهم أنواع القتل ، حتّى نقم عليهم القريب والبعيد ، فدخل المأمون من هذا الباب ، وكاد به بني أبيه ، ورام تخويفهم فيه . وفي قوله « ولقد سألته أن يقيم بالأمر وأنزعه عن نفسي فأبى » فامتناع الرضا عن ذلك من أعظم كراماته لمن تأمّل ووعى ، وهو المطّلع على حقيقة ما أضمره المأمون في سويداء الحشاء .
فلنرجع إلى تتمّة كلام المفيد ، قال : وأمّا أبو جعفر محمّد بن علي فقد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه ، والأعجوبة فيه بذلك ، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه ، فيعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه .
فقالوا : انّ هذا الفتى « 1 » وان راقك في هديه ، فانّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه ، فأمهله يتأدّب ويتفقّه في الدين ، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك .
فقال لهم : ويحكم انّني أعرف بهذا الفتى منكم ، وانّ هذا من أهل بيت علمهم
هامش
( 1 ) في الارشاد : الصبيّ .