يؤيد خلافه ، وكم من مرة زل العلماء وضلّ الفقهاء من تأثير الأوهام المتوارثة والأغلاط السائرة لولا ذلك لكان من المحال أن يرضى حضرة الدكتور الفاضل بما في خطبته من الانحراف والإجحاف كما سترى .
أولا : إن القسم الأول من المقالة الذكورة مقصورة على إثبات أن الذكور من الحيوانات العالية أشد من الإناث ، وأن الرجل أضخم من المرأة جثة ، وأكبر جمجمة ، وأثخن عظما ، وأقسى عضلا ، وأنضر سحنة ، ودمه أثقل نبضانا ، وأغلظ قواما ، وجسده أكثر فسادا وانحلالا إذ يفرز من الحامض الكربونيك أكثر مما تفرز هي ، وغير ذلك مما يدل على أن الرجل أشد من المرأة . وما لبث أن جعل هذه الأوصاف دليلا على الشدة حتى انتقل إلى جعلها امتيازا يمتاز بها الرجل . ولم يؤيد هذا الامتياز بأن حضرة الدكتور يذكر مقابله امتياز المرأة على الرجل بالجمال ، واعتدال القوام ، ولطف التركيب ، والغضاضة والبضاضة ونحوها من الأوصاف التي تميزها عليه ، كما هو مسلم به إجماعا أيضا ، لأنه إن كانت ضخامة الجسم والقوة الوحشية تعدان امتيازا للرجل من وجه ، فلطف القدّ وحسن الخلق يعدّان امتيازا للمرأة من أوجه والإنصاف يقتضي ذكرهما عند ذكر غيرهما ، لكن حضرة الدكتور أغفلهما تمام الإغفال .
ثم إنه ذكر تقوّس القدم في الرجل وانبساطها في المرأة دليلا على ارتقائه في الخلق أكثر منها ، وكذلك يزرر ثيابه عن اليمين وهي تزرها عن اليسار ، وكذلك بطء نموه وسرعة نموها إلى غير ذلك من الأدلة التي لم يسلم بصحة مدلولها واحد حتى ينفيها آحاد ، وترك الأمر ، والإنصاف يقتضي ذكر الأمر المقرر قبل الشواهد التي لم تثبت صحتها ولا صحة ما يستشهد عليه بها .
ثانيا : إن فحوى القسم الثاني من مقالة حضرة الدكتور هي إثبات أن الرجل أعظم عقلا وإدراكا من المرأة ، وقد عدد فيه القوى العقلية التي زعم أن الرجال يفوقون فيها النساء ، ولم يذكر للنساء قوة يفقن فيها ، والذي أعلم أن كل الباحثين ( حتى الذين بحثوا قديما عما إذا كان للمرأة نفس ) لم ينكروا أن المرأة تفوق الرجل في بعض القوى العاقلة مثل الإدراك عن طريق الحواس المعروف بالشعور ، وسلامة البداهة ، والذوق العقلي ، ثم إن حضرته يبني حكمه بصغر عقل المرأة عن عقل الرجل بكون دماغه أثقل من دماغها ، ولما
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 789
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٨٩