وكذبها عليه يربيه على الكذب لا محالة ، والدعاء عليه يحط قيمتها في عينه ويفسد آدابه ، وتكثير الأوامر عليه والطلبات منه تلقيه في الحيرة والارتباك ، فيصير يطلب الابتعاد عنها ولا يصدق أن يتيسر له الفرار من وجهها حتى يغافلها ويسرع إلى أصدقائه وملاعبه . قال بعض الحكماء : الصدق أهم ما يجب اتباعه في تربية الصغار وتهذيبهم ، فمن كذب على ولده كذبة علّمه الكذب . وقال أيضا : إن تهذيب الولد يبتدئ بنظرة أمه والتفات أبيه وتبسم أخته أو أخيه .
ومن أغلاط التربية عندنا أنه إذا قامت الأم لتأديب ولدها فكثيرا ما يعارضها الأب ويحمي الولد من التأديب كأن أمه عدوّ له تقصد الانتقام منه ، وإذا قام الأب لتأديب ولد عارضته الأم وكل ذلك مما يمنع فوائد التربية عن الولد ، ويحمله على الظن بأنها صادرة عن الغضب والانتقام لا عن حب الواجب وحسن المقصد .
ومن أغلاطنا في التربية أيضا أننا لا نتحرى تعويد الأولاد على الاعتماد على أنفسهم والاستقلال عن سواهم بل إذا رأينا في ولدنا ميلا إلى شيء من ذلك أمتناه إجابة لدواعي الخوف والشفقة التي في غير محلها ، فإذا رأت الأم ابنها يميل إلى حزّ الخشب والنّجارة بسكين أخذت السكين من يده خوفا من أن يجرح إصبعه جرحا طفيفا ، ولا يخطر لها أن توصي أباه ليبتاع له عدة صغيرة للنجارة ليتعود بها على عمل أعمال كثيرة تنفعه في أيامه وتبعد عنه الضجر والسآمة ، والحال : أن أكثر مخترعي الإفرنج يربون على حب الاختراع بأمور كهذه وهم أولاد صغار ، وإذا رأت الأم ولدها يركض في الشمس وراء الفراش والجنادب صاحت وولولت خوفا عليه من حر الشمس وكان الأولى بها أن تشتري له كتابا ذا صور وتربيه على مراقبة المخلوقات الطبيعية . قيل : إن لبنيوس المعدود من أعظم علماء النبات ، كان في صغره يحب الأزهار فزرع له أبوه أرضا وقسمها على وفق ذوقه ، فكان يتفقدها ويعتني بها ولما شب ولع بداراسة علم النبات حتى طار صيته في الآفاق . ويجب الحذر في التربية من إضعاف عزيمة الولد وإرادته ، فإن والدات كثيرات يذللن الولد حتى لا تبقى له إرادة فإذا شب كان ضعيفا وكانت تربيته أعظم مصيبة عليه ، وكثيرون ينكرون فوائد التربية ويقولون : إن وجودها وعدمها سيان ويستشهدون على ذلك
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 787
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٨٧