يحكى أن السرطان أراد يوما أن يقوّم خطوات ابنه فقال له : مالك يا بني تمشي مجانبا ولا تقوم خطواتك . قال : رأيتك يا أبي تمشي كذلك قبلي فاقتديت بك وحسبي أن أشبهك . ولقد أصاب قول من قال : ومن يشابه أباه فما ظلم . ويلزم المربي أيضا مع ذلك أن يكون حكيما متأنيا مالكا طبعه خبيرا بمواقع الأقوال ونتائج الأفعال ، فيجعل كلامه مع المربى على قدر الحاجة اللازمة لتقويم أوده وتهذيب أخلاقه ، ويقصر أفعاله على ما يؤثر في نفس الطفل أحسن تأثير يحثه على الخير وينهاه عن المنكر .
وأما الشروط اللازمة في المربى فسأتكلم عليها في أواخر هذه المقالة .
قالت : إن التربية تتوقف خصوصا على الوالدين ، وعموما على غيرهم ، ومعلوم أن معظم تربية الوالدين يتوقف على الأمهات لا على الآباء لوجودهن غالب الأحيان مع أولادهن أيام الطفولية ، ولكون الاهتمام من أخص واجباتهن وبما أن كثيرات منا نحن الحاضرات ها هنا أمهات أولاد يقصدن تربية أولادهن أحسن تربية ، ويتقدن غيرة على تحسين طباعهم وتهذيب أخلاقهم ، فقد رأيت أن أبدي بعض ما عندي في هذا الشأن ، لعله يقع موقع القبول عند إحدى السامعات ، فيفيد أو أسمع عنه ملاحظات من إحداهن فأستفيد ، فأتقدم في الكلام بناء على أن الشروط اللازمة متكملة في المربيات السامعات ، لعلي أنهن من اللواتي ربين أحسن تربية ، ولكن يعوزنا الاختبار والانتفاع بأثمار التجارب .
أرى أن الوالدة لا تقدر أن تربي ولدها على ما تريد إلا بعد ما تستولي على عقله وعواطفه ، وتعرف طباعه ، والذي يدلني على ذلك هو أن التربية لا تنمي في نفس الطفل ما ليس له أثر ولا وجود فيها ، بل ما هو موجود قد أودعه الباري تعالى فيها ، ولا تقتصر على إنماء هذا الموجود بل تقدّم النامي وتهذبه وتقويه وتشدّه ، فمثل الوالدة في تربية ولدها مثل الغارس في تربية غرسه ، ألا ترين كيف يمهد له الأرض ويسويها ويسمدها ويرويها حتى يتأصل فيها كلما نما وطال يقوّمه إذا رآه معوجا ويقضبه ويهذبه حتى يقوى ، ويعلو ويتحسن منظره هكذا تفعل الأم في ولدها بالتربية ، تنظر إلى جسده وتقويه وتنميه بالطعام والرياضة والاتقاء من الآفات ، وتنظر إلى عواطفه وقواه العقلية والأدبية فتوسعها وتقويها وتقوم اعوجاجها وتهذبها ، فإن لم تكن هذه بيدها وطوع أمرها فكيف تقدر عليها ؟ ولكي تكون خاضعة لها وطوع إرادتها فإنه
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 784
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٨٤