يجب على الوالدة أن تنبه على تربية ولدها وهو طفل صغير ضعيف الإرادة ، تتعهده منذ ذلك الحين تارة بالأمر والنهي كالسلطان المطلق وطورا بالحب والرفق كالصديق الحبيب حتى تكون مهيبة عنده مسموعة الكلمة ، ومحبوبة منه ومقبولة الأوامر ، وهذا غاية عظمة الملوك والحكام ، ومنتهى ما يبلغون إليه في سياستهم مع الرعية ، وهو أن يكونوا مهيبين محبوبين مسموعي الكلمة معزوزي الجانب .
إذا راقبت الأم ولدها وجدت أنه لا يبلغ من العمر نصف سنة حتى تظهر عليه علامات الفهم وتبدو منه أفعال الإرادة ، فيغضب ويرضى ، ويبكي وقت الغيظ ، ويتبسم وقت الرضا ، وحينئذ يجب على الأم أن تتخذ ما عندها من الحكمة لتطبع إرادتها على لوح نفسه ، وتغرس محبتها في أعماق فؤاده ، وتنفذ كلمتها في أمرها ونهيها له متدرجة من الأمور الصغيرة إلى المبادئ الكلية على توالي الأيام ، فمتى صار يطلب شيئا لا يناسب إعطاؤه إياه تمنعه عنه ولا تطاوعه ولو بكى وصرخ صراخا شديدا حتى يرسخ في ذهنه أن البكاء والصراخ لا ينيلانه المطلوب إذا لم ترد الوالدة ذلك . وأن الطاعة خير من العناد ، وإذا أصر الطفل على مسك ما لا يخصه بعد ما منعته والدته من ذلك مرارا ، فلا تخفيه من أمامه خوفا من بكائه بل تردّه عنه بكل لطف وحزم وتفهمه بقدر الطاقة أن ذلك الشيء لا يخصه ، وأنه لا يحب أن يطيع والدته ويخضع إرادته لإرادتها ، ولا تزال تعلمه بمثل هذين المثلين حتى تتأصل الطاعة لوالدته في نفسه وتنمو فيه مع نماء قوى عقله ولكن ليس بالغضب والعنف بل بالرفق واللين واللطف .
ومن خطأ الوالدين والوالدات في التربية أنهم يحسبون البشاشة في وجه الولد والملاطفة في معاملته تؤل إلى استخفافه بكلامهم وتمرده عليهم ، فلذلك تراهم لا يكلمونه إلا زجرا ولا ينظرون إليه إلا شزرا وإذا ارتكب أقل ذنب أوسعوه ضربا وتعنيفا ، وإذا ضحك أو لعب في حضرتهم وبخوه وانتهروه ، كأنه قد جنى ذنبا زاعمين أن ذلك كله يزيد سطوتهم عليه ويمكن الطاعة في نفسه له ، وهذا صحيح ولكن إلى حد معين ، لأن هذه المعاملة تمكن سلطة الوالدين على أولادهم ، ولكنها تكون ثقيلة عليهم مكروهة عندهم يترقبون الفرص لمخالفتها ويتحابون للتخلص منها ، ولذلك كثيرا ما تكون نتيجتها فيهم تربية
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 785
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٨٥