جمالها وذكاؤها ، ووقعت منه موقعا عظيما ، وعزم على الاقتران بها ثم رجع إلى بلاده وكاشف أباه بذلك فلم يسلم له بل تهدّده بطرده من بيته وحرمانه من ميراثه إن فعل ، فوقع كين بين عصيان الهوى وعقوق الوالدين ، فاختار أصغرهما وهو الأول ، وبقيت محبة هذه الفتاة في فؤاده ثم استحالت مع الأيام إلا الإكرام والاعتبار ، وبعد قليل مات أبوها ، ولم يخلّف مالا نعيش به فأقلعت إلى مدينة جنيفا تعلم وتعيش من أجرة التعليم ، وهناك رآها المسيونكر ، وكان كاتبا في أحد البنوك فأحبها وعزم على أن يقترن بها حينما تنصلح أموره ، ولم يمض عليه سنون كثيرة حتى صار من كبار الأغنياء ، فتزوّج بها سنة ( 1764 ) ، واتخذها معينة له ومشيرة وأحبها حبا مفرطا ، وهي كانت أهلا لمحبته واعتباره لأنها جعلت غرضها من الحياة إرضاءه ودخلت باريس وعمرها ( 25 ) سنة ، وهي غير معتادة على المعيشة في المدن الكبيرة ولا متربية تربية تؤهلها للدخول بين أهل الجاه والمجد ، وكان بباريس حينئذ أشهر فلاسفة فرنسا وكتابها ، فسوّلت لها نفسها أن تجعل لزوجها مقاما بين علمائها مثل مقامه بين أغنيائها ، ففتحت بيتها لهؤلاء الفلاسفة وجعلته ناديا لهم ، وكانت ترحب بهم وتجول معهم في الحديث وتحاول أن تقتادهم إلى التدين والتقوى ، وكان زوجها يعتمد عليها في مقابلة زوّاره وضيوفه ، وكان إذا دعا بعضهم إلى بيته يقول لهم : هلم نتمتع بحديث مدام نكر .
واعتزل الأشغال التجارية كلها وأناط بزوجته تدبير منزله وأمواله ، فكانت تحل وتربط وتبيع وتشتري ، وقد بينت ابنتها مدام دوستايل الكاتبة الشهيرة سبب ذلك بقولها : لما رأى أبي أن أمي فقيرة لا مال معها ورآها شاعرة بذلك خاف أن تستصغر نفسها ، فسلمها كل أمواله وخوّل لها التصرّف المطلق فيها لكي تشعر من نفسها أن المال لها فتنفذ وتخلص من صغر النفس .
وذهب كين المؤرّخ المتقدّم ذكره إلى باريس فدعاه زوجها إلى بيته وأحسن ضيافته وترحبت هي به ، وأخبرته أن دخل زوجها السنوي لا يقل عن عشرين ألف دينار .
ثم عين المسيونكر وزيرا لمالية فرنسا ومديرا لها فأصلح شؤون المالية واهتم بإصلاح السجون والمستشفيات وكان الفضل الأول في ذلك لزوجته لأنها كانت تتعهد السجون بنفسها ، وتتفقد كل أحوالها ، وتدبر الطرق المناسبة لإصلاحها وأنشأت بيمارستانا بباريس فسمي باسمها إلى هذا اليوم . وأقام
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 770
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٧٠