تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 768

مساهمون:

ص٧٦٨
فلما بلغت من العمر خمس عشرة سنة وهي إذ ذاك في خدمة البيت المقدّس وكان اعتراهم يوم شديد الحرّ نفد فيه ماؤها فأخذت قلّتها وانطلقت إلى العين التي فيها الماء لتملأها منها ، فلما أن أتت إلى العين وجدت عندها جبريل قد مثله اللّه لها بشرا سويا فقال لها : يا مريم إن اللّه بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا . قالت :
أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
. قال لها : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا . قالت : أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا . قال : كذلك قال ربّك هو عليّ هين ، فلما قال لها ذلك استسلمت لقضاء اللّه ، فنفخ في جيب درعها وكانت وضعته إليه فلما انصرف عنها لبست درعها فحملت بعيسى بإذن اللّه ، ثم ملأت قلّتها وانصرفت إلى مسجدها ، فلما ظهر عليها حملها كان أول من أنكر عليها ذلك ابن عمها يوسف النجار واستعظم ذلك الأمر ولم يدر ماذا يصنع ، وكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ساعة واحدة وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل ، فلما اشتد ذلك عليه وأعياه الأمر ، كلمها وقال لها : إنه قد وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على أن أكتمه فغلبني ذلك ورأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري . فقالت له : قل قولا جميلا . قال لها : أخبريني يا مريم هل نبت زرع من غير بذر ؟ قالت : نعم . قال : هل نبتت شجرة من غير غيث ؟ قالت : نعم . قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ألم تعلم أن اللّه عز وجل أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر يكون من الزرع الذي أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن اللّه تعالى أنبت الشجر من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدته ، أو تقول : إن اللّه لا يقدر أن ينبت شجرا حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته ؟ فقال لها يوسف : نعم إن اللّه قادر على كل شيء وقادر على أن يقول للشيء : كن فيكون . فقالت له مريم : ألم تعلم أن اللّه خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ قال : بلى . فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها من أمر اللّه ، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ، ثم تولى خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها وضعف قوّتها ، فلما أثقلت مريم ودنا نفاسها خرجت من المسجد إلى بيت خالتها لتلد فيه ، فلما دخلت عليها قامت أم يحيى واستقبلتها وأدخلتها ثم قالت لها : يا مريم شعرت