أهل بيت بمكان فبينما هي في ظل شجرة إذ نظرت طائرا يطعم فرخا فتحرّكت عند ذلك شهوتها للولد ، ودعت اللّه تعالى أن يهب لها ولدا ، وقد نذرت على نفسها إن رزقها اللّه بولد تتصدق به على البيت المقدس فيكون من خدمته ورهبانه ، فتقبل اللّه دعاءها وحملت بمريم فحررت ما في بطنها ، ولكن لم تعلم ما هو فقالت : ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ) عن الدنيا وأشغالها خالصا لك وخادما لبيتك المقدس . فقال لها زوجها : ويحك ماذا صنعت إن كان في بطنك أنثى لا تصلح لذلك ؟ فوقعا جميعا في وهم من ذلك وفي حالة حملها توفي زوجها عمران ، فلما أتمت مدة حملها وضعت جارية فقالت :
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
في خدمة بيتك المقدس
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ
.
وكانت مريم أجمل النساء وأفضلهن وأحسنهن ، وأنبتها اللّه نباتا حسنا وكانت أخذتها أمها ولفّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار ، كما نذرت على نفسها ، وقالت لهم : دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار وكل منهم أراد أخذها وقال لهم زكريا وكان أكبرهم : أنا أحق بها منكم لأن عندي خالتها . فقالت له الأحبار لا نفعل ذلك ولا نسلمها إليك ولكن نقترع عليها ومن خرج سهمه أخذها ، فاقترعوا فطلعت من سهم زكريا ، فأخذها وكفلها وضمّها إلى خالتها أمّ يحيى ، واسترضعت منها حتى بلغت مبالغ النساء وبنى لها محرابا في المسجد وجعل بابه مرتفعا لا يرتقى إليها إلا بسلّم ، فلا يصعد إليها غيره ، وكان يأتيها بطعامها وشرابها في كل يوم ، وكان إذا خرج من عندها أغلق عليها بابها فإذا دخل عليها وجد عندها رزقا أي فاكهة فيقول لها : من أين أتى لك هذا ؟ فتقول هو من عند اللّه . فلما ضعف زكريا عن حملها خرج إلى قومه وقال لهم : إني كبرت وضعفت عن حمل ابنة عمران فأيكم يكفلها بعدي ويقوم بأداء خدمتها كما كنت أفعل بها ؟ فقالوا : لقد جهدنا وأصابنا من الجهد ما ترى فلم نجد من يحملها فتقارعوا عليها بالسهام فخرجت من سهم رجل صالح نجار يقال له : يوسف بن يعقوب بن ماثان ، وكان ابن عمها فتكفّل بها وحملها فقالت له مريم : يا يوسف أحسن الظنّ باللّه سيرزقنا من حيث لا نحتسب . فجعل يوسف يرزقه اللّه برزق حسن ويأتي كل يوم لها بما يصلحها من كسبه فيدخل إليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق فتقول له : هو من عند اللّه يرزق من يشاء بغير حساب .