سوريا قبل حدوث المذبحة الشهيرة فيها ببضعة عشر يوما ، وتيتمت من أبيها بتلك المذبحة التي شابت لهولها الولدان فحملتها أمها مع أخيها إلى مدينة صيدا بعد ما فرّت بهم إلى قرية مجدل شمس بقرب جبل الشيخ ثم أتت إلى مدينة بيروت وهي تغذيها بألبان الحزن وتغسل وجنتيها بدموع الحسرات ، وقامت عليها وعلى أخويها تربّيهم بما اشتهر عنها من الحكمة والذكاء إلى أن بلغوا سن التمييز ، فأدخلتهم في إحدى مدارس القدس الشريفة ليتعلموا بها العلم الذي لم يكن لأمّهم حظّ منه لأنها ولدت وربيت في عصر كان تعليم البنات محظورا فيه بحجة أنه غير لازم لهن ويخشى منه عليهنّ ، كذا ظن أهل ذلك العصر ، وهو ظن أقبح من إثم ، فلم تلبث المترجمة في القدس إلا زمانا يسيرا حتى اختارت لها أمها مدرسة من أحسن مدارس بيروت أدخلتها ولم ترض أن تخرج منها قبل أن تتم دروسها كلها وتأخذ شهادتها ، فدرست من اللّغة العربية وفنونها الصرف والنحو والبيان ، ومن الإنكليزية كذلك ، ومن العلوم التاريخية والجغرافية ، والحساب ، والفلسفة الطبيعية ، والهيئة وغير ذلك ، وتمرنت على الأعمال اليدوية من خياطة وتطريز ونحوهما ونالت الشهادة المدرسية سنة ( 1877 ) م وكانت هي في المدرسة مشهورة بإخلاص النية وسلامة الطوية ، وذكاء العقل ، وشدة الحياء .
وبعد خروجها من المدرسة بقليل اقترن بها شاهين مكاريوس ، فأنشأت له بيتا زينته بلطفها ودبرته بحكمتها وفتحت أبوابه للأصدقاء الأدباء من رجال ونساء ، فكانوا على مائدتها كأنهم في ناد من النوادي العلمية والمحافل الأدبية ، وهي تطربهم بعذب كلامها وتسكرهم بخمرة معانيه .
ورزقها اللّه ثلاثة أولاد ذكرين وأنثى فربتهم أحسن تربية ، وعلمت كبيرهم مبادئ العربية والإنكليزية وكانت عازمة أن تعلم أخاه وأخته متى بلغوا التمييز ، ولكن أدركتها المنية قبل تحقيق المنى ، فخسر أطفالها خسارة لا تعوّض .
وفي غرة سنة ( 1880 ) اتفقت البعض من صديقاتها وعقدت جمعية أدبية سمتها باكورة سورية ، وانضم إليهن عدد من السيدات المهذبات ، فكن يتناوبن الخطب والمناظرات ، ومن خطبها خطبة تاريخية انتقادية في الخنساء الشاعرة العربية الشهيرة جمعت فيها ما تفرق في كتب الأدب ، وشفعته بانتقاد مكين يدل على توقد ذهنها ودقّة نظرها ، وقد أدرجها المقتطف في سنته التاسعة ، ولها
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 772
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٧٢