رأت بابه مغلقا لا أنيس عليه وقد علاه التراب والغبرة وطرحت في أفنيته المزابل ، وقفت وقالت :
يا منزلا لم تبل أطلاله * حاشى لأطلا لك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني * أبكيت عيني فيك إذ ولّى
قد كان لي فيك هوى مدّة * غيّبه الترب وماهلّا
فصرت أبكي جاهدا فقده * عند ادّكاري حيثما حلّا
فالعيش أولى ما بكاه الفتى * لا بدّ للمحزون أن يسلى
ثم سقطت من قامتها وجعل النسوة يناشدنها ويقلن : اللّه اللّه في نفسك ، فإنك لا تؤاخذين الآن فبعد كل جهد حملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع .
وقالت متيم : بعث إليّ المعتصم بعد قدومه بغداد ، فذهبت إليه ، فأمرني بالغناء ، فغنيت :
هل مسعد لبكاء * بعبرة أو دماء
وذا الفقد خليل * لسادة نجباء
فقال : أعد لي عن هذا البيت إلى غيره فغنّيته غيره من معناه فدمعت عيناه وقال : غنى غير هذا . فغنيته :
أولئك قومي بعد عز ومنعة * تفانوا وإلا تذرف العين أكمد
فبكى وقال : ويحك لا تغني في هذا المعنى شيئا . فغنيت :
لا تأمن الموت في حل وفي حرم * إن المنيات تفني كل إنسان
واسلك طريقك هولا غير مكترث * فسوف يأتيك ما يجني لك الجاني
فقال : واللّه لولا أني أعلم أنك غنيت بما في قلبك لصاحبك ، وأنك لم تنذريني لمثلت بك ، ولكن خذوا بيدها فأخرجوها ، فأخرجت .
ولما مات علي بن هشام جاء النّوائح فطرح بعض من حضر من مغنياته عليهنّ نوحا من نوح متيم ، وكان حسنا جيدا فأبطأ نوح النوائح التي جئن لحسنه وجودته ، وكنت زين حاضرة فاستحسنته جدا ، وقالت : رضي اللّه عنك يا متيم ، كنت علما في السرور وأنت علم في المصائب .