لماري بأن يزورها في السجن وينذرها بوشك القتل ، فسار مع فريق من الأمراء وأبلغها الرسالة بلسان أمرّ من الصبر وفؤاد أقسى من الصخر ، فأجابته متجلدة :
إني لست من رعيّة ابنة عمي فكيف تأمر بقتلي وإذا كان رضاها بموتي فأهلا به إلا أن نفسا لا تسمح لجسم بأن يتحمل ضربة جلاد ، فهو إذن غير جدير بنعيم الملك الجواد . ثم دعت قسيسها وكانوا قد حالوا بينهما فقال لها بعض النبلاء :
لو فاوضت أسقفا لوتيريا لكان أقرب للتقوى فأبت وكان أمير كنت متحمسا في البروتستانتية فقال : إن حياتك لدينا موت ، وموتك حياة لنا . ولما انصرفوا أمرت بالطعام وتناولت قليلا منه على عادتها وحانت منها لفتة فرأت خدّامها يبكون فقالت لهم كفوا يا أخوتي وافرحوا بانطلاقي من هذا العلم عالم الشقاء ، ثم شربت بعد العشاء على أسمائهم رجالا ونساء فشربوا معها ركّعا وقد مزجوا شرابهم من عيونهم بماء ، والتمسوا عفوها فعفت عنهم واستعفتهم عنها ثم كتبت وصيّتها ووزعت بينهم حلاها وألبستها ، وكتبت إلى ملك فرنسا رسائل وصاة في حق جميع حاشيتها ثم تودّعت من النوم بالغرار ، وأحيت سائر ليلها بالتهجد والاستغفار ، ولما ألقت الغزالة لعابها جاء أمر في طلابها ، وكان النهار صاحيا ، ووجه السماء ضاحكا ضاحيا ، فلبست أبهى ثيابها ، وأسدلت عليها رداء من كتان ، وخرجت على الفور وعلى محيّاها الصبيح الوقور سمات الخفر والتجلد ، وكان المجد والإجلال يسيران في خدمتها ، ولما بلغت مقتلها استقبلها الأعيان والأمراء وبينهم خادمها ملفن يشرق بالبكاء ، فقالت له : رويدك يا ملفن ، وكفاك نحيبا ، فإنك عما قليل ترى ماري معتوقة من قيد أحزانها ، فقل لأهل سكوتلانده : إني أموت كاتوليكية حافظة لفرنسا وسكوتلانده عهدي .
إلهي اغفر لمن ظمئ إلى دمي كما تظمأ الإبل إلى الماء ، وإلهي إنك تعلم سرائري ، وخفايا ضمائري ، فبرئني عند ابني اليتيم أن حياتي لم تدنّس حرمته ولم تشن مملكته ، إلهي وفقه إلى أن ينهج مع ملكة الإنكليز منهج صدق ووداد ، إنك لغفور سميع جواد ، ثم ذرفت مدامعها ككريات من الماس تقذف من لجين ، وتدحرج على صفحتي لجين ، وودّعت خادمها الوداع الأخير فاندفع في البكاء حتى تولاه الإغماء ، ثم التفتت بجلال إلى الأمراء ورغبت إليهم أن يساعدوا خدمتها على إحراز مالهم من وصيتها ، وأن يمكنوهم من القيام حولها ساعة قتلها فتجافى أمير كنت عن مطلبها الثاني لوساوس شيطانية ، فقالت له :
لا تخف دركا من هذه النعاج الوديعة الوريقة التي لا مأرب لها إلا التملّي مني
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 752
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٧٥٢