وخرجت قبيحة جارية المتوكل إلى سيدها يوم نيروز ، وبيدها كأس بلور بشراب صاف ، فقال لها : ما هذا فديتك ؟ قالت : هديتي لك في هذا اليوم عرفك اللّه بركته ، فأخذها من يدها ونظر إليها فإذا مكتوب على خدها كلمة جعفر بالمسك ، فشرب الكأس وقبل خدها ، وكانت فضل الشاعرة واقفة على رأسه ، فقالت :
وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا * بنفسي سواد المسك من حيث أثّرا
لئن أثرت بالمسك سطرا بخدّها * لقد أودعت قلبي من الحزن أسطرا
فيا من مناها في السريرة جعفر * سقى اللّه من سقيا ثناياك جعفرا
ثم قالت أيضا :
سلافة كالقمر الباهر * في قدح كالكوكب الزاهر
يديرها خشف كبدر الدّجى * فوق قضيب أهيف ناضر
على فتى أروع من هاشم * مثل الجسام المرهف الباتر
فلما سمع المتوكل هذه الأبيات طرب طربا شديدا ، وأمر فغنى بها ، وأنعم على فضل إنعاما زائدا .
وكتب فضل إلى سعيد بن حميد يوما :
تبثّ هواك في بدني وروحي * فألف فيهما طمع بياس
فأجابها سعيد في وقتها :
كفانا اللّه شر الياس إني * لبغض الياس أبغض كلّ آس
قال ابن أبي المدور الوراق : كنت يوما عند سعيد بن حميد وكان قد ابتدأ ما بينه وبين فضل يتشعب ، وقد بلغه ميلها إلى بنان المغني ، وهو بين المصدق والمكذب بذلك ، فأقبل على صديق له فقال : قد أصبحت واللّه من أمر فضل في غرور أخادع نفسي . بتكذيب العيان ، وأمنيها ما قد حيل دونه ، واللّه إن إرسالي بعدما قد لاح من تغيرها لذل ، وإن عدو لي أمره أشبه بالعجز ، وإن تصبري لمن دواعي التلف ، وللّه درّ محمد بن أمية حيث يقول :
يا ليت شعري ما يكون جوابي * أما الرسول فقد مضي بكتابي
وتعجّلت نفسي الظنون وأشعرت * طمع الحريص وخيفة المرتاب