وجملة القول : أن روائح الأزهار المتنوعة وأصوات البلابل ومناظر الأشجار المنتشرة في البستان كانت تشترك بلذتها حاستا السمع والنظر .
وعلى مثل ما تقدم وصفه كانت هذه العاجزة جالسة حوالي منفذة يحيط بها اثنتان من صويحباتي لمناولة قهوة البن بالحليب وكانت إحداهما تدعى ( ص ) خانم ، أما هذه السيدة فإنها تحسن اللغة الإنكليزية وتعرف قليلا من الإفرنسية بمعنى أنها تفهم هذه اللغة ولكن ببطء ، وتتكلم ولكن بصعوبة وتكتب في اللغة التركية بدرجة تتمكن بها من التغبير عن فكرها وإفهام مرادها ، والسبب في تضلعها في اللغة الإنكليزية زيادة عن اللغة التركية ، إنما كان منشؤه مربيتها التي كانت إنكليزية المحتد ولأجل ذلك تلقت منذ الصغر عنها اللغة الإنكليزية ، فأتقنتها كل الإتقان ، وكانت أخلاق هاته السيدة قريبة من أخلاق الإنكليز إذ إن للتربية تأثيرا كليا في الأخلاق كما لا يخفى فكانت منزهة عن شوائب الكلفة تحب الصحة وتألف العزلة وتميل إلى الأزياء ، ولما كنت على بينة من صفاء نيتها وحسن طويتها ، وكانت من قلبها ظاهرة للعيان ظهور الشمس في رابعة النهار .
قلت لها : إنني سأعرض بذكرها في رسالتي . والتمست منها أن تأذن لي في ذلك فلبت طلبي ، وأجابت مسؤلي وصرحت بسذاجة تامة أنه لا مانع من ذلك أصلا ، حتى من حملني هذا التصريح على أن أسألها على الطريقة التي تحب بها أن آتي عن ذكرها في هاته الرسالة ، فقالت جوابا عن ذلك إنها على يقين من محبتي لها ، فهي واثقة بأنني لا يمكن أن أذمها أو أعرض في ذكرها بالسوء ، ثم قالت : وهب أنك هجوتني أو طعنت علي ، فلا يؤثر ذلك شيئا في قلبي لما أنك ستكتمين اسمي ولا تصرحين به إن الانتقاد عليّ أحسبه مفيدا جدا إليّ لما أنني أضطر والحالة هذه إلى إصلاح الفاسد من صفاتي وأخلاقي .
وأما رفيقتي الثانية فكان اسمها ( ن ) . . . خانم ، وكانت تحسن لغتها التركية تكلما وقراءة وكتابة على أنها كانت تدل بعلمها وتحسب نفسها فوق درجتها ، وهذا الوهم قد بعثها على الوقوف عند الحد الذي كانت فيه فلم تتقدم عن تلك الدرجة شيئا ، على أنها لم تكن خالية من الذكاء وكانت أيضا ميالة إلى مساعدة غيرها راغبة في فائدة السوى ، وكانت ودودة راسخة في الصداقة لأحبائها تكره الأزياء إلا أنها كانت تضطر عند الذهاب إلى الولائم
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 656
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٥٦