تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 655

مساهمون:

ص٦٥٥
قالت المادام : سيبقى أثر هاته الليلة وأثر الاجتماع بك ثابتا في الذهن ، إلى ما شاء اللّه . قالت هذه العبارة الأخيرة ثم ودّعتني وذهبت في عجلتها . على أنني وإن كنت لا أعرف ما إذا كانت تحافظ حقيقة على الذكرى كما قالت قد شعرت بتأثير كلماتها في قلبي فإني لا أزال أهز بذكرى تلك الليلة وأفتكر بمحادثتنا ، غير أنني لم آخذ منها حتى الآن كتابا ، وقد علمت أنها ذهبت للتسوّح في البلاد العربية ، وسمعت أنها ستضع كتابا في سياحتها فلا ريب أن هذا الكتاب سيكون مجمعا للحقائق وهذا متوقف على إتمام السياحة ومتعلق بالتوفيق الإلهي .

المحاورة الثالثة

إن شهر مايس ( نوار أو أيار ) بغاية اللطف والنشاط ، فهو متوسط بين حرّ الصيف وبرد الشتاء ، بمعنى أن حره أقل من حر الصيف وبرده أخف من برد الشتاء ، ففي هذا الشهر الذي انتشرت به الروائح الزكية وضاعت أرواح الأزهار المتنوعة ، كنت جالسة صباح يوم منه في إحدى غرف البستان ، وكانت نوافذ الغرفة مفتوحة يدخل منها ألطف الروائح العطرية التي تشابه المسك ، أستغفر اللّه إنني لم أحسن الوصف والتمثيل فشتان بين تلك الرائحة وبين رائحة المسك التي قد توجب لبعض الناس سرورا ولبعضهم كدرا في حين أن رائحة الورد والقرنفل والياسمين وما ماثل من الأزهار التي كانت منتشرة في أرض الجنينة وفي جدرانها يتضوع منها أريج ينعش الأرواح وروائح الأشجار التي كانت قريبة من نوافذ الغرفة وأزهارها الناصعة البياض ، كل هاته الروائح الذكية كانت تفوق بنشرها على رائحة المسك ومع هذا فإن رائحة كل فصيلة منها تختلف عن الأخرى ، فلم يكن ثم مشابهة بينها على الإطلاق حتى إن رائحة الجنس الواحد منها كانت تختلف باختلاف أشكاله بين الأصفر والأحمر والأبيض ، وهكذا يقال عن سائر أنواع الأزهار وفي ذلك حكمة صمدانية تدق على الأفهام ، أما البلابل فكانت في صباح اليوم المذكور تطرب الجماد بنغماتها الشجية ، وتغرد تغريدا ترقص له القلوب في الصدور فتردد بأصواتها المطربة ما يمثل حالة العاشق الذي يطارح معشوقه كلمات الحب حتى إذا لم ينل منه جوابا ظهرت في عنقه إشارات الذل والانكسار .
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 655 | زينب فواز العاملي / منى محمد زياد الخراط