تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
أفتكر ببعض أشياء تواردت على ذهني القاصر فسبحت في فضاء التصور مدة لا أعرف مقدارها ولكنني أعلم أن يدا مستني وصوتا دخل في أذني فالتفت وإذا بجارية خدمتي الخاصة تنبهني قائلة : يا سيدتي لقد مسك البرد . قلت : إن يدك حارّة من أين أتاك إنني بردت حتى أيقظتني ؟ قالت : إنني منذ هنيهة قد شعرت بالبرد فارتديت بالكساء ، ولما رأيتك جالسة هنا ملتزمة جانب الصمت ظننتك راقدة فخفت أن تصابي بالبرد ولذلك نبهتك لأنني ما تمكنت من مشاهدة وجهك فلما لمست يدك شعرت أنك باردة حقيقة . قلت : فالحق معك فاذهبي وأتينا بغطاءين لأن ضيفتنا المادام تكون قد بردت أكثر مني من حيث إن يديها وعنقها لا يسترهما إلا ستار شفاف . أما المادام فقد استيقظت على صوت محاورتنا فهبت من بحراتها وأخذت تلتفت ذات اليمين وذات الشمال فلم تر غير الجارية إذ إن رفيقاتنا كن خرجن وأبقيننا وحدنا فقالت : لقد ضاقت صدورهن من سكرتنا فتفرقن وتركننا منفردتين فما هاته الحال الغريبة لا جرم أنه ليس من أحد يرضى عمن يكونون في حالة الصمت والراقدون لا يريدون أحدا عندهم وقد تذكرنا حال الرقاد بحالتنا أوان الموت في الحقيقة إن حالتنا الحاضرة تمثل حالة الموت . قلت : هيهات أيتها المادام أن يكون في النوم وفي الموت راحة مثل التي رأيناها هاته الليلة حينما كانت أفكارنا سائحة في بحور التصورات اللذيذة . أما هذه الكلمات فقد ذهبت بصفاء وانشراح كل منّا فإن ذكر الموت الذي سيكون خاتمة عمرنا قد جعلناه ختاما لفرحنا وسرورنا في تلك الليلة ، على أن الموت الذي مع كوننا نرغب أبدا في أن نهرب منه نرى أنفسنا متقرّبين إليه فقد تمثل لنا كثيرا في تلك الليلة فتجلى لنا كأنه يقول بلسان الحال : إياكما أن تنسياني وفي هذا الوقت أيضا قد بدت لنا عظمة الخالق الباقي وظهر لدينا عجزنا فرأينا بعين الحقيقة أن كل شيء فان ولا دائم إلا اللّه سبحانه ، فهذا الفكر الرهيب لم يمكنا من البقاء حيث كنا ، فخرجنا نفتش على رفيقاتنا لنجتمع بنهنّ ثم دخلنا جملة إلى القاعة في ضمن المنزل ، وقد أثرت فينا تلك الأفكار