يدخل بين اللّه والعبد أحد . والمسلمون لا يحتاجون في استحصال العفو عن آثامهم كالنصارى إلى القسس وليسوا بمجبرين على الذهاب حالا إلى الجامع لأداء العبادة نظير المسيحيين الذين يكونون مجبرون في عبادتهم للذهاب إلى الكنيسة ، فإذا رغبوا في التوبة والاستغفار انسحبوا إلى زاوية ما فناجوا الحق سبحانه وتعالى ، وليسوا بمجبرين أن يكشفوا ضمائرهم وخفاياهم لغير اللّه ، أما المادام فإنها بعد صمت قليل عادت إلى التفكر والتأمل بمقتضى لطافتها الطبيعية وصرت وإياها على اتفاق في الرأي وأما اللاتي كن في الرّواق فكان بعض منهن يتحادثن مع البعض الآخر وبعض يجلسن في الرواق مسرورات بضوء القمر حتى إنهن طلبن القهوة مرة ثانية وأحببن أن يكرمننا بفنجان آخر على أننا اعتذرنا عن قبوله ، وكانت إحدى الزائرات في تلك الأثناء تنشد نشيدا تركيا بصوت خافت وقد لاحظت على المادام أنها سرت من صوتها ونشيدها فإنها كانت ترعاها السمع ثم ما عتمت أن باحت بسرورها وانشراحها من صوت المنشدة في مثل هذا الوقت الذي كان الهواء ساكنا به أما أنا فالتفت إلى المنشدة :
وقلت : إنه حسن فأنشدي شيئا محزنا مؤثرا يناسب هذا الصوت المهموس .
قالت : ما الذي يجب أن أنشده ؟
قلت : شيئا من الحجاز .
فأخذت السيدة تنشد نشيدا لطيفا من الحجاز بصوت رخيم مؤثر للغاية ، وكانت المدام تصغي إليها تمام الإصغاء .
فقلت : أيتها المادام أليست الأمواج التي تحصل من ارتجاج الهواء على ثوبك الحريري في المراقص تشابه هذا الصوت ؟
قالت : أجل إنني أفتكر بهذا الأمر ويلذني سماع الأنغام على اختلاف خروجها وفي الحقيقة إن المدام كانت تسمع الغناء بلذة لا مزيد عليها ، وبعد انتهاء الإنشاد حولت المادام ذهنها إلى التفكر في الصدى والموسيقى من حيث العلوم الحكمية ، كما أن هاته العاجزة على كوني لست بواقفة تماما على ما يمر في ذهن هاته المرأة العالمة من ضروب الحكمة العالية إلا أنني قد أخذت
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 652
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٥٢