قصوره ويكسر عظمته وكبرياءه ، أما إذا اجتمع العلم مع علوّ الأخلاق فيتولد من ذلك إنسان كامل كالمادام المومى إليها .
ثم قالت المادام : وفي حين أن الناس تبدو مظاهر عجزهم وضعفهم لأعينهم بكثير من الدلائل ، تراهم ينسون أنفسهم ويجترئون على الغرور ، كأن لم تكن تلك الأدلة شيئا مذكورا ، مع أننا إذا خفضنا رؤوسنا إلى الأسفل ورفعناها إلى الأعلى نشاهد عظمة اللّه جل جلاله وضعف ذواتنا ، نحن لا يلزمنا أن نتوغل في أغوار نفوسنا ولا أن نصعد في درجات الأوج الأعلى ، وإنما علينا أن ننظر إلى البحر والسماء ، فما هي المناظر والمظاهر التي تجلوها لنا السماء ؟ أليست تقول لنا بلسان حالها : إنكم عاجزون عن مشاهدة أقماري والوصول إلى معرفة أسراري . لماذا لا نتسوّح في الأجرام السماوية التي فهمنا أن كلا منها أنما هو عالم مستقل ، ألم نهتمّ بذلك كثيرا بلى لقد اخترعنا المنظار زعما منا أننا سنوفق إلى الوصول إلى تلك الأجرام ، فخاب الظن ، وكنا إذ ذاك في حالة الغرور ولكن كان كل اقتدارنا أن بلغنا بعد الجهد الجهيد والسعي المتواصل للصعود إلى عدد معلوم من الكيلومترات هذا ما فهمناه وقد هبطنا من ذاك العلو بصورة هائلة أرتنا الموت عيانا وسمعنا كلمات التهديد تخاطبنا قائلة بلسان الجلل إنكم غير مأذونين أن تصعدوا إلى أعلى من هذا الحد وأنتم لم تخلقوا لتعيشوا في هذا الفضاء فإما أن تعودوا من حيث أتيتم وإما أن ترضوا بالموت صاغرين حتى إذا أخذ الدم يتدفق من مسامنا ورأينا هاته الحالة المدهشة أجبرنا على الرجوع أفلم يكن ذلك من الغرور المحض ؟
قلت : لقد نطقت بالصواب على أن صاحب هذه الأفكار يجب أن يكون نظيرك من ذوي الأخلاق الحسنة والعلم الواسع إذ لا يختلف اثنان أن الإنسان أينما وجه التفاته وفي أي شيء حصر فكره وتأمله تتجلى له عظمة اللّه ووحدانيته عيانا ولكن هل تحسبين أن أي الناس ينظر إلى ذلك بهذا النظر المجرد أو أنه يسر فقط من لون السماء الصافي ولمعان الكواكب وسكون البحر ونور القمر وضياء الشمس فيكتفي بهذا السرور ليس إلا ؟
لا جرم أن الإنسان كيفما التفت وأينما وجه نظره يتمثل لدى عينيه عظمة اللّه ووحدانيته ، ولكن أنت تعلمين أن أكثر مذاهب النصارى يعتقدون بالتثليث فلا أدري يمكن توفيق ذلك مع الوحدانية ؟
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 648
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٤٨