الجمال في العيون فإن الكلمات التي ترسلها إلى الأفهام لتسمو وتعلو قبولا على الألفاظ التي تخرج من بين الأسنان الدرّية والشفاه المرجانية إذ أن الكلمات التي تصدر من الفم لا تكون بجملتها صحيحة وجوابا وإنما تصدر موزونة مموّهة بالكذب ولكن العيون بعيدة عن التمويه منزهة عن التصنع والتقليد ، فبينما يتكلم الفم بالمحال إذ تظهر الحقيقة من مجرد النظر على العينين ، نعم إنه لا حاجة للسؤال في مثل هذه الجمعية عن أرباب الدسائس والكذبة والمنافقين فإن العيون تكشف الخفايا وتشير إلى كلام المحبين والأعداء والوالدين والوالدات والأولاد ، إن حماية الآباء وشفقة الأمهات وهيام العشاق ومحبة الأصدقاء وغرض الأعداء كل ذلك يعلم من العينين ، والعيون تطلع تمام الاطلاع على جملة أشياء لا يستطيع الإنسان أن يسأل عنها بلسانه فالعيون ترجمان القلب .
فلما وصلت المادام إلى هذا الحد من البيان التزمت جانب الصمت ثم وضعت مرفقها على النافذة وأسندت رأسها بيديها كأنما كانت تناجي الأرواح ، ومع أنها قطعت حديثها كنت أصغي إليها كأنها لا تزال تتكلم ، وبعبارة أقرب للحقيقة إن أذني كانتا راغبتين في الاشتغال بعكس خيال هاتيك الألفاظ الدرية ، كأنهما لا تريدان أن تبعدا عن عين تصورهما ذاك الخيال الفتان ، وأن تغلقا دون استماع خطبتها المملوءة حكمة وآدابا ، أليس أن ما تجملت به هاته العالمة العالية الأخلاق من الحسن والظرف إنما هو صحيفة جميلة لكتاب الحكمة الدال على حكمة وقدرة الخالق القادر الحكيم ، أما أنا فقد توغلت في مطالعة تلك الصحيفة التي فتحت أمامي ، إن البعض إذا فهموا أن في أرباب الجمال قصورا لم ينظر بالكلية ، فبعد أن يفتكروا مليا بهذا القصور الذي لم تعرف ماهيته يتمكنون من الوصول إلى إدراكه بما آتاهم اللّه من المعرفة التي هي سر من أسرار حكمته المستورة عنا ، وهكذا المادام فإن الخالق قد حباها بنعمته ولطفه ولم يحرمها من هاته الجاذبية التي تسترق الألباب .
أليست تلك الجاذبية هي التي تجعل القبيح محبوبا كالجميل ، ولكن ما هو تعريف هذه الجاذبية لعمري إنها لا تظهر للعيان ، ولا تمثل إلا بالأذهان ، ليس لها شكل معروف ، ولا جسم موصوف ، فالبصيرة تدركها ولا تنظرها الأبصار وتعشقها القلوب قبل الأفكار وكما أنها بادية في الوجه والهيئات ، فهي
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 646
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٤٦